- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

رحاب: تدريب عقلاني روحي لحل مشكلات الحياة

د.أحمد بن علي المعشني:
اتصلت تعبر عن ضيقها وتبرمها لما يتعرض له ابنها وابنتها من خلافات ونزاعات زوجية، تشعر بأن مشاكلهما تزيد من تعاستها، فهي تعيش للآخرين وتربط سعادتها بهم، وتعتقد بأن من المروءة أن تعيش آلامهم وتلتصق بمشاكلهم.
تفعل ذلك من خلال دخولها في حالة من الإضطراب والحزن.
تتهمهم أحيانا بأنهم يرفعون عندها الضغط والسكر وأنهم يحرمونها من طعم الراحة.
سألتها: هل يشعرون بمشاعرك؟ هل يبادلونك هذه العواطف؟ هل يعتذرون لك عندما يضايقونك ويتسببون في حزنك واستيائك؟! قالت: طبعا لا! لكنني إنسانة!، أنا أم وأخت.
علمت من خلال الحديث معها واستعراض محطات من حياتها أنها امرأة سحقت الأنا تمامًا.
ترعى أمها المريضة منذ سنوات.
تزوجت من رجل ثري، ثم طلقها بعد أن أنجب منها ولدا وبنتا، ثم أرسل إليها الطلاق عبر الهاتف وهو في حالة مزاج، وهي لا تزال في ريعان الشباب، وبالرغم من أنها لم تكمل تعليمها الذي تركته بسبب الزواج؛ إلا أنها ناضلت وتعلمت القراءة والكتابة.
استمرت تمارس هواية القراءة الموسوعية، وتزيد من وعيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ساعدها ذلك على تطوير مهاراتها الطبية في رعاية أمها.
تقوم بكل ذلك وهي تشاهد إخوانها يعرضون عن خدمة أمهم، يعتذرون بمبررات أنانية غير مقبولة على الإطلاق.
قلت لها: لا تتحملي أعباء الآخرين، ولا تكلفين نفسك ما لا تطيقين، اهتمي بأمك وامنحيها من الحب والعناية ما تستحق، ثم وجهي اهتمامك إلى زيادة مناعتك الروحية والنفسية وتبني أهداف جميلة، ومن أجل مساعدتها على تحقيق ذلك، دربتها على اكتساب مهارات تحقيق الحياة المتزنة من خلال جلسات التأمل الذي يتيح لها أن تتخلص من ضجيج الأفكار وهجوم المشاعر المضطربة، وأن تفتح قنواتها الروحية لاستقبال النور الإلهي.
تجلس بمفردها في مكان هادئ ونظيف لمدة تتراوح ما بين 10 الى 15 دقيقة في وقت يناسب ظروفها، ترخي جسمها وتوقف لسانها عن الكلام وتغلق صنبور الأفكار وتركز انتباهها على تنفسها بتلقائية دون أن تتحكم فيه، وتتخلص من سرعة الشحنات الكهربائية في الجسم، بحيث توقف الأفكار الخارجية وتسكت القرد الثرثار الذي يؤذيها بالحديث السلبي مع الذات، ومع استمرارها في ذلك استطاعت أن تحقق التوزان الداخلي، واستعادت قوتها المفقودة.
ومن خلال هذا الانضباط الذاتي استطاعت أن تتحكم في طريقة تفكيرها، وتنفصل عقليا وعاطفيا عن مشكلات الآخرين من حولها وتقطع حبال الاتصال الروحي العشوائي مع الكثير من الناس.
وتزيد علاقتها بالله سبحانه وتعالى، تمارس اليقظة الروحية، وهي تقرأ الآيات والأدعية وتنقل نشاط انتباهها بين حواسها وأعضاء جسمها فيزيدها ذلك شعورا بالراحة والحميمية، تشكر الله على نعمة البصر وعلى نعمة العقل ونعمة السمع ونعمة الشعور ونعمة الذوق ونعمة الشم، ونعمة خدمة أمها.
وبمرور الأيام استعادت تلك المرأة صحتها النفسية والروحية وعادت النضارة إلى ملامحها وشعرت بالشباب يدب في كل كيانها، وصارت تركز على اللحظة التي تعيشها، وتضيق مساحة الماضي احساسها، وتوسع مساحة الحاضر في عقلها.
صارت نورانية جدا وقريبة من الله، وانعكس ذلك الاتزان على صحة والدتها التي استطاعت أن تتعافى، وأن تعتمد على نفسها في الذهاب إلى الحمام والعودة والصلاة جالسة على كرسي، والحركة البسيطة بين غرف البيت، والخروج إلى الحوش، وهكذا صارت تخرج بمعية أمها إلى المنتزهات، وفي اتصال معها طلبت منها أن تكتب أهدافها، ويمكنها أن تضع من بين أهدافها الزواج من رجل يفهمها ويستوعب ظروفها، فسألتني: كيف؟! أخبرتها أن تخلق الصورة في عقلها وتعيش القناعة بأن ذلك سيتحقق بمشيئة الله وتوفيقه، وسوف يحقق الله لها ولوالدتها الخير والاستقرار والحياة الطيبة.

* رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية مؤسس العلاج بالاستنارة (الطاقة الروحية والنفسية)