الأحد 17 أكتوبر 2021 م - ١٠ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / قراءة في الأوقاف في أميركا
قراءة في الأوقاف في أميركا

قراءة في الأوقاف في أميركا

نجوى عبداللطيف جناحي:
يحكى أن بروفيسورًا يُدعى (جونثون بالدوين ترنر) كان يدرس في كلية (إلين يوس) الأميركية، قرر أن يقود حركة شعبية واسعة في أميركا، طالب فيها بدعم الجامعات الأميركية عن طريق منح الأراضي للكليات والجامعات في جميع الولايات المتحدة الأميركية لدعم التطوير الزراعي عبر الجامعات، واستمرت هذه الحركة منذ عام (1855م) حتى عام (1962م)، وقد منحت حينها مساحات كبيرة من الأراضي للجامعات في إحدى وأربعين ولاية أميركية، وأعطيت الجامعات والكليات حرية استثمار هذه الأراضي لدعم ميزانية الجامعة، وبذلك أصبحت هذه الأراضي وقفا خيريا تدر الأرباح على الجامعات لدعم أنشطتها العلمية المتنوعة كالأبحاث العلمية ودعم المقاعد الدراسية وغيرها.
وهذه الحادثة معروفة في التاريخ الأميركي، إذ كان لها أثرها البالغ حتى اليوم على استدامة تمويل الجامعات الأميركية وتعرف بـ(قضية الأراضي). فقد كانت الجامعات تعتمد في تمويلها على التبرعات من العائلات الثرية، ومن التجار، وربما من الجمهور عامة، إلا أن هذه التبرعات لم تكن منتظمة، كما أن عملية جمع التبرعات تحتاج لجهد ووقت من إدارة الجامعة، ناهيك عن أن عدم انتظام الحصول على التبرعات يدخل الجامعات في مشاكل مالية، مما يصنع العراقيل في وجه النشاط التعليمي للجامعات، ويعرقل مسيرتها العلمية السامية. من هنا فكَّر هذا البروفيسور في الاستعانة بالوقف الخيري كأحد الحلول الجذرية للمشكلة. والحقيقة أن هذه الجامعات لم تكن لتستمر لولا اعتمادها على الوقف. إن هذه المنظومة المتكاملة المعتمدة على الوقف الخيري لتمويل الجامعات، أسهمت في زيادة عدد الجامعات واستدامتها حتى أصبح عددها يفوق أربعة آلاف جامعة.
استوقفتني هذه القصة طويلا، وتأملت ما وراء هذه القصة، فهذا البروفيسور لم يكتفِ بأن يكون أكاديميا يدرس طلابه فقط، بل كان همه استدامة الجامعات لإيمانه بأثر العلم وأهميته في تنمية المجتمع، فرفض فكرة اعتماد الجامعات في تمويلها على التبرعات، وفكَّر في ربط كل جامعة بوقف خيري ليكون هذا الوقف هو المموِّل الرئيسي للجامعة. فالوقف بالنسبة لهم وسيلة استثمارية لتمويل التعليم، فهم ينظرون له من منظور اقتصادي بحت، وليس من منظور ديني. بمعنى آخر، أنهم يرون أن منهجية الوقف هي منهجية داعمة للمؤسسات الخدماتية لتضمن لها الاستدامة وتحقق أهدافا سامية، ومن أسمى الغايات والأهداف هو دعم التعليم لا سيما الأبحاث العلمية.
ولك أن تتخيل عدد الأبحاث والتجارب العلمية التي أجرتها تلك الجامعات، وكيف تحولت هذه الأبحاث إلى منتجات تعود بالأرباح والمردود المالي على أصحابها وعلى اقتصاد الدولة. لعمري إنه لتوظيف فاعل لفكرة الوقف ليسهم في تنمية الاقتصاد ويحقق النفع العام.
والواقع أن البروفيسور (جونثون بالدوين ترنر) لم يقترح فكرة تمويل الجامعات عن طريق الوقف من منظور ديني، بل كان الطرح من منظور اقتصادي عملي، وتثبت الدراسات التي أجريت على المجالات التي تصرف فيها الوقف في أميركا قبل عام 1964 أن 6007 مؤسسات وقفية تركز في توجيه ريع الوقف على التعليم بدوافع علمية مهنية وليست بدوافع دينية، حيث تبيَّن أن (40%) من ريع الوقف يذهب لدعم التعليم، وأن (11%) يذهب لدعم العلوم، ويخصص (14%) لدعم الأنشطة الدولية، و(12%) للصحة، ونفس النسبة تخصص للضمان الاجتماعي، أما نصيب الرعاية الدينية فلا يتجاوز (6%) ويخصص (5%) للإنسانيات. وبذلك يمكننا القول إن الأوقاف في أميركا منذ نشأتها مرتبط ارتباطا وثيقا بالتعليم.
لقد استوقفتني هذه التجربة التي تشهد بالبرهان العملي، وبكل حيادية ومهنية، أن الوقف الخيري منظومة اقتصادية ناجحة تحقق الدعم للمجتمع، وتسهم في تنمية اقتصاد الدولة. فسبحان الذي شرع كل ما فيه خير لنا ولأمتنا، فجعل في شريعته السمحة تشريعات اقتصادية واجتماعية تصلح حال المجتمع، فالأجدر بنا أن نأخذ بكل ما شرعه الله ونطبقه دون تردد ودون شك، والأهم من ذلك أن نوظف الوقف بطريقة تحقق أكبر قدر من المنفعة وتلبِّي احتياجات المجتمع. وفي تقديري أن الإبداع والابتكار في طريقة توظيف الوقف لخدمة المجتمع أمر له أهميته القصوى للاستفادة من الوقف الخيري، ولعلَّ فكرة أن يوقف عقار يستثمر ليكون ريعه لصالح تمويل مؤسسة من المؤسسات التي تخدم المجتمع كالمستشفيات والمدارس والجامعات وربما مراكز التدريب على الحرف والمهن، أرى أنها فكرة تستحق النشر، وأتمنى نشرها في مجتمعاتنا؛ وذلك لدعم مثل هذه المؤسسات التي تقدم خدمات للناس.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap