الإثنين 20 سبتمبر 2021 م - ١٣ صفر ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الإعلام رهان التغيير القادم
في العمق: الإعلام رهان التغيير القادم

في العمق: الإعلام رهان التغيير القادم

د. رجب بن علي العويسي:
تطرح التراكمات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وتحديات الهُوية والتشغيل والتوظيف والتمكين، وتفاقم أوضاع التسريح من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص التي يمر بها المواطن في ظل حالة عدم الاستقرار والوضوح في السياسات والخطط والبرامج الخدمية وتنازعها المستمر في كونها حقا مشروعا مكتسبا للمواطن غير قابل للمساومة عليه أو غير ذلك، وتزايد حجم المعرفة والمعلومات التي يتلقاها من وسائط متعددة وقنوات متنوعة، تطرح على الإعلام الوطني مسؤوليات كبيرة وتساؤلات تحدد موقعه في خضم هذه الأمواج العاتية والمنافسة الحادة، عبر وجود سياسات إعلامية أكثر نضجا ومهنية وشفافية وابتكارية في إدارة معطيات المرحلة والاستجابة لأشرعة التغيير التي تضمنتها رؤية “عُمان 2040″، والتكيف مع الواقع الاقتصادي العالمي والضرورات التي بات يفرضها على هندسة البناء والتطوير والمواطنة والهُوية والقِيَم والمبادئ والأخلاقيات، بالشكل الذي يصنع منه مساحة أمان داخلية تضمن احتواء المواطن والاقتراب منه، والأخذ بيده ومساعدته في تجاوز هذه الظروف والمنعطفات الخطيرة في حياته، وتبصيره بالبعد الزمني والمكاني والمجالي لهذه الظروف وما إذا كانت الإجراءات الاقتصادية المتخذة أو تلك المرتبطة بجائحة كورونا (كوفيد19) حالة وقتية طارئة ترتبط بوجود هذه المبررات الاقتصادية التي تعصف بالعالم والسلطنة على حد سواء، أو أنها مسار حكومي قادم يتجه إلى الاستمرارية.
وبالتالي حجم التغيير الذي يجب أن يمارسه الإعلام الوطني في بنيته وهيكلته وأجندة عمله، الذي تقع عليه مسؤولية احتواء هذه التناقضات التي يعيشها المواطن، والظروف الصعبة التي انعكست على جوانب حياته اليومية، وعززت من حالة الإحباط والتشاؤم والسلبية، وأصّلت فيه سلوك الوهن والتذمر وضعف مستوى المبادرة والإنتاجية في ظل تعدد الصدمات التي يواجهها، والتناقضات التي يشهدها في الخطاب المؤسسي والطلة الإعلامية للمسؤول الحكومي والتي أدَّت إلى المزيد من الفجوات والتباينات، وأفصحت عن حالة من عدم الثقة، والخلل في بناء الاستراتيجيات وفهم الأدوات، وضعف في إنتاج البدائل، والتنويع في الخيارات، والمرونة في الفرص، في ظل ما صحب ذلك من محدودية الحوار الفكري المنتج مع المواطن العادي والتمكين الفكري له في إنتاج الحلول، وما يعنيه ذلك من مسؤولية الإعلام في تشخيص هذه الحالة ودراستها وفهم مقتضياتها، والقرب من المواطن ورصد أحداث الواقع وتجلياته، وخلق مساحة أمل إيجابية تنقل المواطن من السلبية التي تلاحقه في تحقيق غاياته وطموحاته نظرا لعقدة الإجراءات وضبابية الرسالة الإعلامية، ونزوع الإعلام إلى الفردانية في معالجة قضايا المواطن وأولوياته واهتماماته، وحالة الانفصام التي يعيشها في ظل تجاهله لأولويات الشباب وأطروحاته.
عليه، تضع المفارقات والأحداث والمتغيرات والظروف أمام الإعلام مسؤولية جاهزية التغيير في أدواته وأساليبه، وإعادة هيكله محتواه وفلسفة عمله، لضمان قدرته على صناعة مواطن المستقبل في ظل طموحاته المتعاظمة، ورغباته المتزايدة، واهتماماته المتغايرة، وتعددية الفرص والخيارات التي يعيشها، والمقارنات التي بات يُسقطها المواطن على واقعه الاجتماعي، في عالم مفتوحه فضاءاته يقرأ ما يدور في عمان ويصنع منها أجندته وأهدافه الخفية؛ لتتجه مسؤولية الإعلام الوطني اليوم في سياساته وخططه وبرامجه ومبادراته إلى ضرورة استيعاب هذه الأوضاع، والانكفاء على دراستها، والتكيف مع هذه الأحداث، بما يؤسس لمرحلة متقدمة يقف فيها الإعلام في واجهة التغيير القادم وإدارة أشرعته، وحسن توجيهها بالشكل الذي يضمن كفاءة المنتج المتحقق من الرسالة الإعلامية في تجسيد فقه المرحلة في سلوك المواطن ومبادرات الجهاز الإداري للدولة، وإعادة هندسة الواقع الاجتماعي لتقبل فكر التطوير وتجاوز حالة الترهل الفكري، وتصحيح المفاهيم المغلوطة وتوجيه حالة الشغف والتفاعل والحماس وروح التغيير وحافز الأداء لدى الشباب وعبر تعزيز المنصات الإعلامية وترقية المساحة المتاحة للشباب فيها للحوار معه والاستماع إليه والإنصات له والأخذ بمقترحاته وتعزيز حضور أفكاره وتعزيز المفاهيم الإيجابية التي تصنع له حضورا نوعيا متكافئا في السياسات الوطنية والخطط والبرامج والمبادرات وتمكينه من القيام بدور محوري في صناعة التغيير بما يعبر عن الهُوية العمانية ويستحضر القِيَم والأخلاقيات والمبادئ التي ارتبطت بحياة العمانيين وانتمى إليها الإنسان العماني وظلت حاضرة معه في كل الظروف والصعوبات والأحوال.
إن الإعلام رهان التغيير وطريق بلوغ الحكمة ونجاح فرص الاستثمار وقدرة رؤية “عُمان 2040” على بلوغ أهدافها، لذلك إن أحسن إلى نفسه، وأعاد تصحيح ممارساته، ورسم معالم الطريق لنجاحاته، منطلقا من مبادئ الشفافية والموضوعية والوضوح والمصداقية والأمانة والتكامل والاحترافية والدخول في قلب الحدث والحضور مع المواطن في كل تفاصيل العمل؛ كان ذلك شفيعا له في قدرته على الثبات والاستدامة والاعتراف به كداعم للسياسات والفكر التغييري المستنير، وأصبح حصن المواطن ووجهته أينما شرّق وغرّب، ووضعه في أولوية اهتمامه ومتابعاته اليومية، منه يستقي المعلومة، ومن خلاله يقرأ العالم، وفي ظله ينطلق للبناء والتطوير، وفي المقابل إن ظل على حالة التكرارية والفاقد المتكرر في العمليات الإعلامية ولم يقدم ما يثير هاجس المواطن ويحتويه، عندها لن يلام المواطن عندما يتجه إلى المنصات الإعلامية الأخرى، أو أن يصنع لنفسه مساحة حوارية جديدة عبر حساباته في منصات التواصل الاجتماعي ليثبت فيها حجته ويقرر فيها أجندته ويتحدث من منظوره، وهي مساحة غير مأمونة لما قد يدخلها من ذاتية التصرف والاندفاع والتحامل.
كما أن الانعزالية التي يعيشها الإعلام الوطني في مواكبة الأحداث الداخلية التي تهم المواطن، وتتفاعل مع طموحات الشباب، وتتجاوب مع أولوياته وتعبر عن مطالبه وحقوقه المشروعة له، سوف تصنع هامشية الإعلام في قاموس المواطن، الذي يتجه للإعلام الآخر بكل مساوئه وتشوهات الصورة التي ينقلها عن واقعنا الوطني أو النكهات الارتجالية الأخرى التي يضيفها على هذه الصورة وفق الأجندة والغايات والأهداف التي يسعى إليها، فيصبح التأخر هنا والبطء، رجوع إلى الخلف، ونكوص عن الهدف، وتخاذل عن بلوغ الغايات، فإن مسؤولية الإعلام الوطني أن يستدرك الواقع بروح مهنية عالية متجاوزا كل أشكال النمطية والبطء وعقدة الإجراءات والظواهر الصوتية التي قد لا تعكس طموحات المواطن أو تعبر عنه، كما أن الهروب من الواقع، ومحاولة كتم الصورة المشرقة، وتشويه السلوك الاجتماعي الحكيم للشباب لا يمكن أن يقدم إعلام المرحلة أو يؤسس لنهضة إعلامية تتناغم مع رؤية “عُمان 2040” وتتفاعل مع مقتضيات الواقع أو تحظى باعتراف مجتمعي ورصيد اجتماعي يضمن نجاحها، ولا يمكن للإعلام أن يحقق غاياته الكبرى غير المنظورة، ويؤثر في اتجاهات الرأي العام، إلا إذا ارتبط بالواقع الاجتماعي، واستشعر وجود المواطن بكل ظروفه وأحواله، وعمل على الدخول في عمق الحدث والاستماع له، حتى يصنع منه رهان التغيير القادم ويجنبه حالة الفوقية والسلطوية التي باتت تعكس نزوعا عن الواقع وانصرافا على الأولويات وهروبا من المسؤوليات.
أخيرا، فإن التحدي القادم إعلامي من الدرجة الأولى؛ والأزمة القادمة أساسها فجوة الثقة بين الإعلام والمواطن، وأن إعادة هيكلة البنية الإعلامية والمحتوى الإعلامي وخلق سياسات إعلامية ناضجة قادرة على احتواء الشباب، الطريق لضمان تعزيز الثقة وخلق روح التكامل والتضامن في الانتقال بعُمان إلى مستوى طموحات وآمال أبنائها في شتى المجالات، ونقل الإعلام إلى مرحلة القوة في استيعاب الأحداث وقراءة الواقع والوقوف مع المواطن، فإعلام المرحلة اليوم بحاجة إلى أن يتحول إلى الواقع، وينزل للميدان، ويرصد الأحداث، ويجسد مواقف المواطن في كل أحواله، ويعمل على تقريب فجوة التباين الحاصل، في حفاظ على خط سير واضح يصنع للإعلام الوطني القوة والمهنية في قدرته على بناء مواطن المستقبل الذي يجسد الروح الوطنية في كل محطات حياته، ويقدم صورة نموذجية تعمل على تشخيص الواقع وتحليله برؤية المواطن نفسه، وبمساحة الحرية المتاحة له للتعبير عن ذاته، وفي الوقت نفسه توجيه الجهد الحكومي نحو تقوية الشعور الإيجابي لدى المواطن والثقة فيه، فيتعامل مع المواطن بمهنية وحكمة وذوق ورقي واحترام لفكره وروح تتطلع للتجديد، وإدراك لما يمتلكه المواطن من وعي ومهنية وفهم وقراءة للواقع واستشراف للمستقبل، ويقرأ في مطالبات المواطن وحقوقه مساحة للعمل الجاد مع الحكومية والجهات المعنية في الوصول إلى نقاط عمل مشتركة وتقاسم المسؤوليات واحترام ارادة المواطن، وعندها لن يكون هناك أي مساحة للتشويه والفوضى الفكرية والتداخلات المعرفية غير المحسومة والاستفزازات الإعلامية المتكررة، بل مسارات عمل مشتركة وتوجهات حكيمة تصنع القوة وتحفظ عُمان الأمانة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap