الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 م - ١٩ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / المشاعر والأحاسيس في رحاب الإغلاقات الجزئية والكلية
المشاعر والأحاسيس في رحاب الإغلاقات الجزئية والكلية

المشاعر والأحاسيس في رحاب الإغلاقات الجزئية والكلية

سعود بن علي الحارثي:
لا أخفيكم سرا بأن مشاعر الكآبة والحزن والضيق تنتابني وتهيمن عليَّ كلما أصدرت اللجنة العليا قرارات جديدة تتضمن حظرا جزئيا ـ وهو ما تكرر بين رفع وإعادة وتخفيف وتشديد ـ أو كليا، كما حدث أيام عيد الحج الأكبر الأربعة، وإغلاقات واحترازات أخرى، ولا أشك أن الكثيرين يشاركونني المشاعر، فالإنسان بطبيعته مولع منسجم عاشق مرتبط بكل ما يمتُّ بصِلَة إلى الحرية في مجالها الواسع، ينتصر لها ويُضحِّي ويحارب من أجلها، وقرارات اللجنة، وقيود “كوفيد19″، تصفد الحرية وتحاصرها وتضيق عليها، وتعزل الإنسان عن محيطها، وتشعره بالاحتجاز والتكبيل، وتعطل مصالح الناس، وتنهك الاقتصاد، وتقود إلى المزيد من خسائر الأنشطة والأوردة والأعمال التجارية، وإلى إحباطات ومشاكل وأمراض نفسية. ولأن هذه القرارات المشددة تبعث برسالة قاتمة على تفشي الجائحة وعلى أن طريق التعافي ما زال طويلا… ولكن في كل مرة وبعد التأمل والتفكير المعمق والتدبر في تلك القرارات والغوص في مؤشرات غاياتها بتروٍّ وموضوعية، تتبين لي وللآخرين أن مصلحة حفظ الأرواح ووقاية المجتمع من نزيف الإصابات والوفيات، وحماية القطاع الصحي وكادره الطبي كذلك من التداعي والانهيار مقدمة على جميع المصالح، ولها الأولوية، والتجارب أثبتت وأكدت على نجاح سياسات الحظر والإغلاق، وعلينا أن نكون على قدر المسؤولية والصبر، وعلى قدر عالٍ من الفهم لحجم المخاطر التي يهددنا بها “كوفيد19″، وغيره من الأوبئة والأمراض، وعلى وعي تام في التعامل مع الوضع الاستثنائي والاحترازات المقرة في الظروف غير الطبيعية، وما هي إلا أزمات مؤقتة بمشيئة الله، بأجل محدد سوف تنقضي وتنتهي، وعلينا أن نتأقلم مع المسببات التي تنقل بها الفيروسات المرض إلى أجسادنا، ومع الظروف التي تمر بها دول العالم دون استثناء، والإنسان مأمور بتحمل الشدائد، والرضا بالقضاء والقدر. وفي المقابل نشعر بالغبطة والابتهاج وتنفتح أمامنا أبواب الحرية، ونتحرر من قيود الانعزال وإجراءات الحظر والغلق والشعور بمرارة أننا حبيسو بيوتنا والإحساس بالضيق؛ لأننا لن نتمكن من مغادرة منازلنا من الساعة… وحتى الساعة… كلما قررت اللجنة تخفيف الإجراءات والقيود ورفع الحظر… وقد سارت الأيام وانقضت الأشهر، وفتحت الأسواق والأنشطة والأعمال التجارية دون استثناء ورفعت إجراءات العزل والحظر، وتلامس نسبة من أخذ اللقاح الـ80% من المواطنين، وهو ما يزيد عن النسبة المقررة التي تقي أي مجتمع بمستوى عالٍ من الأمان من إصابات ووفيات “كوفيد19″، الذي نغَّص علينا حياتنا وضيَّق حدود حركتنا ومنعنا لعامين كاملين من السفر، وقد عرض علي قبل عدة أشهر الصديقان خلفان الرشيدي وتركي البوسعيدي مرافقتهما للنزهة والترفيه والتطواف في مدن البوسنة، التي باتت مقصدا سياحيا للكثير من العمانيين، وبعدها بأشهر، حثني والدي، على صحبته إلى تنزانيا لزيارة دار السلام وزنجبار وموانزا، فاعتذرت لوالدي وللصديقين العزيزين، فلم أستسغ السفر بعد أن فقدت متعته المعهودة ومذاقه العذب، فقد كنت وقتها مطالَبا بفحوصات مكلفة ماليا، تكرر في كل دولة ومطار، وعند المغادرة والعودة، وإذا ظهرت النتائج بأنني حامل للفيروس فهذا يعني إعاقتي من السفر أو تأخيري وتقييدي في البلد التي شرفت بزيارتها، ومقيدا بإجراءات لبس الكمامات والتباعد، والشعور بالقلق من العدوى، والتوجُّس من كل راكب في الطائرة يجلس بجنبي وقد تنحنح وسعل وأظهر شعورا بالحرارة والحمى، والخشية من لمس أي شيء بما في ذلك الأنف والعين والفم والأجساد الأخرى الحية والجامدة… ولبس الأسورة والحجر لمدة أسبوع على الأقل في المنزل بمجرد الوصول إلى الوطن، فأي راحة وبهجة ومتعة ونكهة يشعر بها المسافر وهذه الإجراءات والاحترازات تقيده وتقلق راحته وتجثم على صدره؟ كانت مرحلة قاسية علينا جميعا، فقد عشنا سنتين استثنائيتين نعاني من جائحة استنزفت الأرواح والأجساد والموارد والاقتصاد وحولت حياتنا إلى جحيم، في ظل إجراءات واحترازات لم يعهدها آباؤنا ولم يسمعوا مثيلا لها ممَّن سبقهم، فكيف بجيلنا الذي عاش في ازدهار ورخاء ورفاهية مقارنة بجيل الآباء، واعتاد حرية التحرك والتنقل والسهر والتطواف والسفر، وأدمن تمضية الأوقات مع الأصدقاء في الأسواق والمجمعات العصرية والمطاعم والمقاهي الحديثة ومشاهدة الأفلام في السينما… اليوم بحمد الله، وبفضل العلم، والجهود والمبادرات الوطنية، ووعي المجتمع والتزامه، تنفسنا الصعداء فقد تجاوزنا الفترة الحرجة والمستوى الخطر من الجائحة، وتعلمنا دروسا عميقة بأن المجتمعات ودول العالم مهما بلغت شأوا ودرجات رفيعة في العلم والتقدم والعصرنة ليست بمنأى من الجوائح والكوارث والأوبئة، وعليها أن تأخذ أعلى درجات الحذر والاحتياط والوقاية من مخاطرها والاستعداد بأسلحة العلم والمعرفة والاستثمار في الكوادر البشرية بدعم المختبرات والمراكز البحثية والتجارب العلمية واحتضان المواهب، وتخصيص موازنات سخية للمستشفيات والمؤسسات الصحية والكوادر الطبية، وتعلمنا بأن في العلم وتجاربه وأبحاثه العلاج والحل لأزماتنا، وعندما نتأخر عن الأمم المتقدمة، نصبح عالة ومستهلكين ننتظر بأن يمنوا علينا بما توصلوا إليه واخترعوه واكتشفوه من نتائج الدراسات والأبحاث العلمية، والأدوية واللقاحات والأمصال، وتعلمنا بأن الجهل آفة، وأن البشر ينجرفون ويصدقون الإشاعات والخرافات ويتأثرون بنظريات المؤامرة في الأزمات، وتعلمنا أن العادات والمظاهر الاجتماعية وبذخهما المالي ليست قيدا ولا قانونا علينا التقيد والالتزام بها، وقد تزوج الشباب وعقدوا قرانهم وتلقى المكلومون رسائل واتصالات المواساة والعزاء بدون عناء وتجشم وتكاليف مالية ومشاق الطرق ومخاطرها. دروس وتجارب وخبرات عميقة، علينا أن نستفيد منها ونتعلم، ونعمل ونخطط وننفذ. سائلين الله العلي القدير أن يبعد عنا شرور الجوائح والكوارث والأوبئة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap