الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 م - ١٩ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات في دبلوماسية ما بعد كورونا
قراءات في دبلوماسية ما بعد كورونا

قراءات في دبلوماسية ما بعد كورونا

د. حسن البغدادي:
شهور قليلة تفصلنا عن بداية السنة الثالثة من عمر جائحة كورونا، والتي شكلت أزمة صحية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني الحديث، ولا يزال العالم يرزح تحت وطأتها ويعاني من تبعاتها. في الوقت الحالي لا تملك أية جهة الإجابة عن السؤال المطروح: متى ستنتهي الجائحة؟ كما أنه من غير المعلوم إلى متى ستستمر الإجراءات الاحترازية المفروضة من قبل الدول لمنع انتشار هذا الفيروس الذي أرَّق العالم. إلا أنه ثمة شبه إجماع لدى المراقبين أن عالم ما بعد «كورونا» سيكون مختلفًا عن العالم الراهن، سيتغير كثير من السياسات والمفاهيم، سواء في جانبها الاجتماعي أو العملي. ودون شك فإن ذلك سيلقي بظلاله الكثيفة على العلاقات الدولية والدبلوماسية في قطبيها الثنائي ومتعدد الأطراف، التي ستزيد أهميتها من حيث حجم التحديات التي ستواجه عالم ما بعد جائحة «كورونا» وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، إلا أنه من المفروض أن تختلف الطريقة التي ستتم بها إدارة ذلك العمل وهذا ما نتمناه.
عمومًا يدفعنا ذلك للنظر من زاوية أخرى إلى ماهية أوجه التعاون الدبلوماسي، التي قد تزدهر وتنمو بين الدول في ظل هذه الظروف غير المسبوقة وحتى ما بعد فترة «كورونا»، التي نأمل أن تنتهي في أقرب وقت وتبرز الدبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف في المجال الطبي؛ كونها أحد أهم المجالات التي من المتوقع أن تشهد توسعًا كبيرًا في إطار مفهومها وتطبيقاتها، وستكون لها مكانتها ونصيبها الكبير من الاهتمام، وذلك بعد أن أثبتت جائحة «كورونا» عدم جدوى الحلول الفردية في مواجهة مثل هذه التحديات.. والحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والانخراط في شراكات ثنائية ومتعددة الأطراف. وفي هذا الباب وجب التثمين والإشادة بكثير من المبادرات الدولية التي تسعى إلى تعزيز الأمن الصحي العالمي، ولعل أبرزها على المستوى الإفريقي مشروع المملكة المغربية لتصنيع وتعبئة اللقاح المضاد لـ”كوفيد19″ ولقاحات أخرى، تحت الرعاية السامية والإشراف الفعلي لجلالة الملك محمد السادس، حيت تم إبرام اتفاقيات شراكة دولية يوم 05 يوليو 2021، بتكلفة إجمالية تقدر بـ500 مليون دولار، ما يكرس الانخراط الدولي للمغرب كمصدر للأمن الصحي في محيطه الإقليمي والقاري والدولي، في مواجهة المخاطر الصحية.
ورجوعا إلى الدبلوماسية متعددة الأطراف في المجال الصحي، فالعالم الحين أمام حقيقتين صارختين؛ من ناحية، لا يمكن لأي دولة القضاء على الوباء بمفردها مهما بلغت من القوة الاقتصادية والعالمية، ومن جهة أخرى، الحاجة الماسة إلى إصلاح شامل لمنظمة الصحة العالمية مع رفع مستوى التأهب لمواجهة الأوبئة والاستجابة لها إلى أعلى مستويات القيادات السياسية، في إطار مؤسساتي دولي، والعمل على إنشاء نظام دولي جديد لمنع تحوُّل الأوبئة المستقبلية إلى كوارث عالمية، ويجب البدء على الفور، ففيروس كورونا لم ولن يكون الأخير.
وما يدفعنا إلى التأكيد على المطالبة بهذا الإصلاح المُلِح هو حالة الارتباك الذي عاشته وما زالت تعيشه منظمة الصحة العالمية في تدبيرها للأزمة الحالية واتهامها من طرف أكثر من جهة مرة بالتقصير ومرة بالتضليل، ولغة شد الحبل بينها وبين بعض الدول، واتهامات دولية لها بتسييس الأزمة الصحية، ولعل ما يحدث بين الصين والولايات المتحدة الأميركية خير دليل.
ويرى مراقبون أن منظمة الصحة الدولية الوحيدة في العالم والتابعة للأمم المتحدة تمر حاليًّا بـ”أصعب فتراتها” منذ تأسيسها عام 1948، حيث تعالت أصوات رسمية مطالبة باستقالة مديرها العام، من بينها تارو أسو، نائب رئيس الوزراء الياباني بعد ما وصفه بفشل هذا الأخير في إدارة أزمة كورونا عالميا، خلال كلمة له في البرلمان الياباني.
تجدر الإشارة إلى أن الاتهامات الحالية للمنظمة، التي أسست عام 1948 بهدف توفير أفضل ما يمكن من الحالة الصحية لجميع الشعوب، كما ينص على ذلك نظامها الأساسي، لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبق أن اتهمتها الولايات المتحدة منذ تأسيسها، بكونها منحازة إلى النظام السوفيتي آنذاك، كما وجهت إليها انتقادات لاذعة في مواجهتها لوباء فيروس إنفلونزا الخنازير سنة 2009 ووصفت ردة فعلها “بالمبالغ فيها”. ولعل آخر هذه الانتقادات، هي تلك التي تلت انتشار فيروس “إيبولا” في غرب إفريقيا عام 2014 وتم اعتبار ردة فعلها متأخرة جدا.
فالوباء الذي بدأ في منطقة نائية في غينيا انتقل بسرعة إلى كل من سيراليون وليبيريا، وتأخرت ردة فعل المنظمة أكثر من ستة أشهر قبل أن تعلن خطورة الوضع.
هذه ليست إدانة لمنظمة الصحة العالمية، ولا يعني أنها لم تقم بأخطاء في إدارتها لأزمة فيروس كورونا، فالواقع أن المنظمة لم تعلن عن حالة الطوارئ الصحية العالمية إلا في 30 من شهر يناير 2020 بعد أن وصل الفيروس لـ19 دولة وتجاوز عدد الحالات المؤكدة 8 آلاف إصابة، ولم تعتبر الفيروس “جائحة” إلا في 11 مارس من نفس السنة.
وعللت حينها المنظمة تأخرها في ذلك بأنها كانت تراقب وتقيم باستمرار حالة الفيروس كما جاء في رد مكتوب أرسلته لـ”إندبندنت عربية”، بالقول إن “أي آراء وتوصيات خلال الشهور الماضية جاءت في إطار التحديث والتطوير تبعًا لما يطرأ على المعلومات والمعارف بشأن الوضع الوبائي لكورونا وطبيعته”. كما تقول بأنه ليست لها السلطة لإرسال خبراء لها إلى أي دولة لإجراء تحقيقات حول انتشار فيروس أو حول الوضعية الصحية فيها، وأنها كانت تنشر تقاريرها بناء على المعلومات التي تصلها وهذا ما يطرح عدة تساؤلات حول نجاعة المنظمة.
وبعد ذلك طفت إلى السطح حرب اللقاحات والتزود بها من ناحية، فكانت الدول الكبرى والمصنعة للقاحات تسعى جاهدة لتلقيح مواطنيها غير مبالية بباقي دول المعمورة، ولكن الأخطر فبالرغم من ترخيص منظمة الصحة العالمية لأكثر من لقاح نجد بعض الدول تشكك في فعالية بعضها بل ترفضها، ما يجعلنا نطرح السؤال: «هل هذا الموقف علمي أم حسابات سياسية؟» والذي لن يؤدي إلا إلى خلق فجوة جديدة بين الدول. كما نبَّه لذلك مجموعة من المسؤولين الدوليين ومن بينهم ناصر بوريطة الوزير المغربي للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج في الاجتماع الأول للمنتدى الدولي حول التعاون في مجال اللقاحات ضد “كوفيد19″، الذي نظمته الصين بصيغة افتراضي.
لست هنا لسرد اختلالات منظمة الصحة العالمية في تدبيرها للجائحة والتي بطبيعة الحال ليست مسؤولة عنها وحدها، ولكن الحاجة الملحة والمستعجلة إلى إعادة التفكير في الأنظمة التي تعزز المساواة وإلى الاستثمار في شكل أكبر في تطوير عالم أكثر صحة وعدالة، فالتحديات الصحية المتزايدة أصبحت الآن تتخطى الحدود القومية والوطنية، الأمر الذي أوجد طلبا متزايدا على تضافر الجهود السياسية، فضلًا عن التنسيق الدبلوماسي على المستوى العالمي.
في الواقع ليس لنا إلا خيار واحد هو ضرورة وجود مؤسسات عالمية لتنسيق الجهود الدولية لمواجهة عدو مشترك في هذا العالم المترابط في زمن العولمة والحاجة إلى استجابة جماعية. وفي هذا الإطار أثمن بقوة دعوة رئيس وزراء أستراليا الأسبق، ورئيس جمعية آسيا ورئيس معهد السلام الدولي كيفين رود عندما دعا قبل أربع سنوات إلى تأسيس مجلس عالمي جديد لمكافحة التهديدات الصحية في مقر الأمم المتحدة، وإنشاء آلية دولية لتمويل التأهب لمواجهة الأوبئة والاستجابة لها للمساعدة في تقاسم العبء في الأزمات الصحية العالمية المستقبلية.
فالمنظمة تحتاج إلى التمويل أكيد، ولكنها تحتاج أيضا إلى مزيد من السلطة لتمكينها من القيام بتحقيقات مستقلة وشفافة في شأن الأوبئة المستجدة؛ للرفع من نجاعة الاستجابة لها وتقديم الدعم للدول ومنع انتشارها في مزيد من بقاع العالم، كما أكد ذلك الدكتور أنطوان فلاوهولت، مدير معهد الصحة العالمية ومقره جنيف، حين قال “إن ما تفتقر إليه منظمة الصحة العالمية هو الوسائل والصلاحيات اللازمة لإجراء مهام التفتيش حيثما تراه مناسبًا”، وهو الأمر الذي نعتبره ضرورة ملحة ومُستعجلة.

خبير قانوني وفي التدبير العمومي أخصائي في جراحة المخ والأعصاب

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap