- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

الانتحالات الصحفية .. غياب لحقيقة الكتابة فـي ظل فوضى النشر

خلفان الزيدي:ما زال لصوص الكلمة يمارسون «جريمتهم» دون خجل، حتى لوتم فضح البعض منهم على الملأ مرات ومرات
طلال المعمري: الانتحالات سواء صحفية أم أدبية هي فراغ فـي العطاء وإفلاس فـي المعرفة
سليمان المعمري: تتعدد دوافع الانتحالات بتعدد مقترفيها والمنتحل لا يملك أدوات الكتابة أو الموهبة ليكتب
عبد الرزاق الربيعي: الانتحال ظاهرة قديمة وسبب تزايدها اليوم يعود إلى فوضى النشر وكثرة المنابر
نعيمة الوشاحية:المشرع أعطى الصلاحية للادعاء العام فـي مباشرة الدعوى العمومية ضد كل من يخالف أي من أحكام قانون حقوق المؤلف

مسقط -العمانية:
تشكل الانتحالات الصحفية بمختلف أنواعها شبحًا يطاردُ كل كاتب أنتج مادة تحمل أفكاره وتطلعاته، وهي مشكلة ليست بجديدة، لكنها ظهرت بمؤشر مقلق مؤخرًا بسبب الثورة التكنولوجية، ولهذا تعددت طرق الانتحالات، وقد تكون أحيانًا بصور مبتكرة وأخرى تقليدية بحتة، والمتمعن في أبعاد هذه المسار يجد أن الإساءة التي تطال المنتحل، كما أنها تطال في الطرف الآخر الصحيفة التي قامت بنشر مادة منتحلة دون التحقق منها. هنا طرق لزوايا مختلفة كأسباب ظهور المنتحلين، وكيفية التصدي لهذه الظاهرة، ومدى تأثيرها على مستقبل الكتّاب الفعليين، مرورًا بالجانب القانوني وآلية حماية المنتوج للصحفي. في بداية القول يتحدث الكاتب خلفان الزيدي، وهو مشرف قسم التحرير بجريدة (الوطن) وأمين سر الجمعية العمانية للكتاب، عن تعرضه للانتحال بسبب قلة وعي وإدراك المنتحل ويقول في هذا الشأن: تعرضت قبل سنوات، حينما وجدت نصًا قصصيًا لي كنت قد نشرته وإذا به مشارك في مسابقة طلابية في إحدى الكليات العليا، باسم آخر، بذات العنوان، ودون أي تغيير، الغريب حين تواصلت مع (المنتحل) وجدته رغم أنه من طلاب الدراسات العُليا، لا يعي معنى الانتحال وأخذ أفكار الآخرين، فقد أكد لي حينها أنه أعجب بالنص وقرر المشاركة به، هذا يقودنا إلى أن التوعية بهذه الظاهرة في المدارس وفي المؤسسات التعليمية العليا غير كافٍ، ويحتاج إلى جهود أكبر للتعريف بجرم الفعل، وفداحة نقل أفكار الآخرين دون الإشارة إلى مصادرها.

وأبدى الزيدي دهشته من قدرة المنتحلين على مواصلة هذا الفعل المشين بقوله: الانتحالات إذا كانت منتشرة، لكن الجهود التي بذلت، وإضاءتها على نطاق واسع، أدى إلى خفوتها، وتراجعها، دون أن تختفي تمامًا، فما زال لصوص الكلمة يمارسون (جريمتهم) دون خجل، حتى لو تم فضح البعض منهم على الملأ مرات ومرات. وفي السياق ذاته يقول طلال المعمري ـ رئيس القسم الثقافي بوكالة الأنباء العمانية: إن الانتحالات سواء كانت صحفية أو أدبية هي فراغ في العطاء أو إن صح المعنى إفلاس في المعرفة عمومًا ذلك أن المقالات على سبيل المثال تأخذ الطابع الشخصي للكاتب وتحمل بصمته وتُبنى من تجاربه وتعكس انطباعاته وبالتالي هي تحمل هويته في الأصل والأمر كذلك بالنسبة للنتاج الأدبي. وأضاف: إنّ هناك غالبًا مواضيع تأخذ طابع العمومية وتكون أفكارًا سائدة في المجتمع وعامة لذا قد تتشابه الأفكار والمواضيع المطروحة في الصحف أو في الفضاءات الإلكترونية وهذا لا يعني الانتحال بطبيعة الحال لأنها من الأفكار المشتركة، والانتحال الفعلي هو أخذ النص بهيكله وبنيته اللغوية كاملًا كما هو أو تناول المادة بكامل بنيتها وتركيبتها بما فيها وجهة النظر الشخصية و إعادة صياغتها لغويا… واعتبر المعمري أن إعادة إنتاج أفكار الآخرين بلغة مختلفة أو بصيغة لغوية مختلفة لا يبرئ المنتحل من جرمه لأنه يكون كمن يقوم بإعادة طلاء المسروق حتى لا يتعرف عليه أحد.

وأشار إلى أن التكنولوجيا ساهمت في مساعدة رؤساء التحرير في الصحف تحديدًا وبقية وسائل الإعلام على كشف الانتحالات بسهولة وسرعة فائقة عن طريق عدد من الأدوات المختلفة، إلا أن الأمر يختلف في النتاج الأدبي حيث تكون مسألة الكشف أكثر صعوبة نظرًا لعدم إتاحة نصوص الكتب ومحتوياتها بشكل مفتوح على محركات البحث كحال الصحف لكون الكتب مدفوعة القيمة. أما الإعلامي سليمان المعمري ـ وهو مهتم بأمر الانتحالات الصحفية ـ فيقول: لا نستطيع أن نقول إن هناك سببًا واحدًا للانتحال، إذ تتعدد دوافع الانتحالات بتعدد مقترفيها، هناك من ينتحِل لأنه يحب أن يُقال عنه (كاتب) ولكنه لا يملك أدوات الكتابة أو الموهبة ليكتب، فيضطر لسرقة كتابات الآخرين ليرضي هذه الرغبة الداخلية فيه، وهناك من ينتحِل ليترقى وظيفيًّا .. وهناك من ينتحِل للوجاهة الاجتماعية، ذلك أن صفة (الشاعر) أو (الأديب) أو (الكاتب) أو (الدكتور)، لها هيبة في بعض المجتمعات وسطوة في بعض المجالس، لذا يسعى لها البعض باستماته حتى وإن كان ذلك بسرقة نتاج الآخرين، بل إن هناك من ينتحِل لأنه يستمتع بهذا العمل، أو لأنه اعتاده ولا يستطيع تركه، ويضيف المعمري: لقد رأيتُ من تجربتي الشخصية أناسًا مَهْما تم الكشف عن أمرهم عدة مرات فإنهم لا يرعون عن تكرار فعلتهم، ربما لأن دافعهم هو المتعة الشخصية من ارتكاب هذا الفعل الشائن، أو ربما أنهم مصابون بمرض الانتحال. ويضيف المعمري: إن مشكلة الانتحال خطيرة جدًا، أولًا تفقدنا الثقة في وسائل الإعلام التي تقوم بنشر تلك المواد المنتحلة، وثانيًا إذا كانت هذه الوسائل واسعة الانتشار فإنها تُسهم في تكريس (منتحلون)، على أنهم كتاب ومفكرون ما يؤدي إلى انخداع كثير من الناس بهم. وأوضح المعمري أن الكتاب المبتدئين عليهم أن يكونوا أكثر دقة فيما يكتبون وأن يدققوا في أساليبهم الكتابية وطرق تعبيرهم فترة البدايات الكتابية هي فترة التأثر، وهي فترة يمر بها معظم الكتاب، ذلك أن الكاتب المبتدئ لم يمتلك أسلوبه بعد، ولم يتمكن من ناصية اللغة، ولم يعش تجارب كافية في الحياة تتيح له الاتكاء عليها في الكتابة، فيعمد إلى تعويض هذا كله بمخزون قراءاته، وهنا قد تتسرب ـ بشكل حرفي ـ جُمَلٌ، وأحيانًا فقرات كاملة، من كتّاب آخرين إلى كتابته دون أن يشعر.
غير أنها تتسرب في بعض الأحيان وهو متعمدٌ ذلك ظنًّا منه أن هذا جائز.

وفي الحقيقة أن هذا الأمر غير جائز، ويضعه في دائرة الانتحال، إلا إذا نسَبَ هذه الفقرات والجُمَل إلى أصحابها، أو وضعها بين علامات تنصيص إن لم يكن يعرف من هو كاتبها. وأوضح المعمري أن التصدي لظاهرة الانتحالات يحتاج لجهود مكثفة وليست فردية لا تكفي الجهود الفردية وحدها للتصدي لهذه الظاهرة المتفشية في مجتمعاتنا العربية، فلا بد أن تدعم الجهود الفردية جهودُ المؤسسات المختلفة. بدءًا من مؤسسة الأسرة التي يجب أن تربي أبناءها على ثقافة الأمانة وعدم استحلال الطفل أخذ ما ليس له من أشياء، فإذا شبّ على هذه الثقافة شاب عليها، ولا خوف عليه حينها من السرقات أدبية كانت أم غير أدبية، ومرورًا بمؤسسة التعليم التي ينبغي أن تركّز على (التعليم بالفهم) وليس (التعليم بالحفظ).وهناك دور أيضًا للمؤسسات الإعلامية ومن يقف على تحريرها، إذ إن عليهم الانتباه إلى أن الانتحال لا يسيء للمنتحِل وحده، وإنما أيضًا للمؤسسة الصحفية الإعلامية التي تنشر له ولمصداقيتها أمام القارئ. الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي أكد على أن الانتحال ظاهرة قديمة وعادت للظهور مجددًا في الوقت الراهن الانتحالات ظاهرة خطيرة، وهي ليست جديدة، وتعود للشعر الجاهلي، كما أشار ابن سلام الجمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء)، ورأى أن القبائل لجأت للانتحال لتتفاخر على القبائل الأخرى بشعرائها، وكذلك أسهم الرواة في إشاعتها، لأن رواية الشعر كانت تشكّل مصدر دخل لهم، وتوقّف المستشرقون عند هذه الظاهرة، وبشكل خاص المستشرق الإنجليزي ديفيد صمويل مرجليوث، ودرسها الدكتور طه حسين بشكل مستفيض في كتابه: (الشعر الجاهلي) وقال (إنّ الكثرة المطلقة ممّا نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة بعد ظهور الإسلام)، مع ضرورة الإشارة أن الشاعر العربي المنسوب له الانتحال كان بريئا من التهمة، فالرواة هم من قاموا بذلك الفعل، بحكم الشفاهية التي سبقت التدوين، أما اليوم، فقد عادت الظاهرة، للبروز مجدّدا، ووجد بعض الذين يدّعون العلم، والمعرفة، ممن تعجز أدواتهم وثقافتهم، عن تعزيز ادّعائهم بنتاج أدبي، المجال مفتوح، دون حسيب ورقيب، ولما كانوا غير قادرين على ذلك، فأسهل الوسائل الاستحواذ على نتاج الآخرين، ونسبه لأنفسهم. وأشار الربيعي أنه مع التشهير بالمنتحلين (في ظلّ عدم وجود قوانين تحفظ حقوق الملكية الفكرية، وتجرّم المنتحل، فليس أمام إدارات الصحف، بعد ثبوت تهمة الانتحال، سوى ذلك، كنوع من العقاب المعنوي للمنتحل، للحدّ من الظاهرة.) واعتبر الربيعي أن سبب تزايد الانتحالات اليوم هو (فوضى النشر، وسهولته وكثرة المنابر، وعدم وجود خصوصية لكاتب تميّزه عن آخر، في الأسلوب، والمحتوى، والتعجّل بالنشر دون تدقيق، وإدارة غير المتخصّصين لعملية النشر.) ونوه الربيعي على ضرورة أن يحمي الكتاب النشء نتاجهم (ضرورة توثيق ما يكتبون، والاحتفاظ بالمسودات، والصور، التي تحفظ حقوق الملكية الفكريّة، ومحاولة إيجاد خصوصية في اللغة، والأسلوب، وذكر تفاصيل داخل النص تخصّ الكاتب دون سواه، تشير لكاتبه، فلو وضع بنصّه جزءا من روحه، فلن يستطيع أحد انتحاله.) وللإطار القانوني رأي في الانتحالات الصحفية، وهنا تقول المحامية نعيمة الوشاحية: في حقيقة الأمر أنه لا يوجد منظمة معنية بهذه الظاهرة المتزايدة والتي لا تقل خطورتها عن خطورة جرائم السرقة الواقعة على الأموال، فالحقوق الصحفية لها حماية قانونية كما لتلك الحقوق الأخرى، لا سيما في ما يتعلق بالجهد والعمل الفني أو العمل الصحفي الذي رافق هذا العمل محل التعدي، وقد تكمن العلة من عدم وجود منظومة متكاملة بالمعنى الدقيق، هو عدم الحاجة الفعلية الماسة أو بالأحرى عدم تفشي الظاهرة بشكلة بالغ المستوى، ولا شك أن هناك تحديات من الناحية العملية أيضاً، حيث تمثل الرقابة والمتابعة صعوبة جمة في تقفي أثر أولئك المنتحلين، إذن إن الأمر يتطلب جهودا كبيرة ومتابعة حثيثة ورصد أنظمة وأجهزة لمتابعة هذه التجاوزات الخطرة، كما أن أي منظمة تُعنى بهذا الشأن قد تحتاج إلى قاعدة بيانات و أنظمة حديثة متطورة تواكب العولمة المعلوماتية والأنظمة المتسارعة الحديثة. وتضيف الوشاحية: فيما يتعلق بالحدود القانونية الرادعة (التجاوزات على الحقوق الصحفية أو الحقوق الاخرى التي قرر لها القانون الحماية الأزمة لردع كل من تسول له نفسه التعدي على حقوق الغير، فلا شك أن هناك قانونًا صدر قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة له بالمرسوم السلطاني رقم: (37 /‏‏2000) وتم إلغاؤه وصدر مرسوم سلطاني جديد برقم:(65 /‏‏2008) صدرت من خلاله مواد قانونية وأحكام تنظم هذه المسألة وغيرها من الحقوق التي تضمن عدم التجاوز على الحقوق الصحفية أو الحقوق الأخرى، كما أن المشرع قد أعطى السلطة والصلاحية للادعاء العام في مباشرة الدعوى العمومية ضد كل من يخالف أي من أحكام قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وفق ما نصت عليه المادة (49) من ذات القانون و التي نصت على أن: يباشر الادعاء العام التحقيق الجنائي فيما يصل إلى علمه من جرائم تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون دون حاجة إلى شكوى من صاحب الحق أو من يمثله أو طلب من الجهات الحكومية المعنية، ومن ثم أن الرادع القانوني أو النصوص القانونية كفيل بدفع هذا الخطر ودرء التعدي، ولكن تبقى مسألة متابعة كل صحفي لعمله والحرص على تقفي أثر كل من يحاول انتحال شخصيته او التعدي على حقه).