الأربعاء 27 أكتوبر 2021 م - ٢٠ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / تنظيم (داعش) وكهرباء العراق
تنظيم (داعش) وكهرباء العراق

تنظيم (داعش) وكهرباء العراق

كاظم الموسوي:
يعاني العراق من أزمة الكهرباء منذ عقود، وجاء الغزو والاحتلال عام 2003 ليكرس الأزمة، ويحاول بكل الأساليب استمرارها وعدم إصلاحها أو تجديد مؤسساتها، وهناك فيديوهات منتشرة من لقاءات تلفزيونية مع مسؤولين عراقيين يتحدثون فيها عن لقاءات مع مسؤولين أميركان، مدنيين وعسكريين، يؤكدون فيها منع واشنطن لتصرف بغداد في هذا الشأن ورفض اتفاقات عراقية مع شركة سيمنس الألمانية للمساعدة في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء في العراق وتطوير قطاع الطاقة، خلال فترة زمنية قصيرة وإنهاء المشكلة تماما. كما أن هناك لقاءات بين مسؤولين عراقيين وألمان في فترات سابقة يتحدثون فيها عن هذه القضية ومنها أيضا السماح الأميركي لبغداد باستيراد الكهرباء من الجمهورية الإسلامية في إيران لأشهر تتمدد كل فترة، خارج قرارات واشنطن في حصارها وخنق شعبها اقتصاديا. وهناك الكثير من الأقوال والأخبار عن مثل هذه الأمور ولكن عمليا لا تحسُّن في الوضع، وتكال اتهامات كثيرة على كل من تولَّى مسؤولية الكهرباء، وزارة أو دوائر، أو حتى حكومات متعاقبة. إذ ما زال العراق يعاني من هذه الأزمة وتكاد تكون الأزمة الأشد في العراق، لا سيما وتتفاقم في أشهر الصيف المعروفة في حرارتها في العراق، وكذلك ما تعكسه عمليا في الشؤون والمجالات الأخرى، وتداعياتها وتاثيرها.
في زيادة تعقيدات الأوضاع الاقتصادية وأزمة الكهرباء فيها، مع ما يضاف لها من أزمات، تنتشر أخبار كثيرة مؤخرا عن حرب جديدة يشنها تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي يتجدد دوره وأفعاله كل فترة وفق المخططات التي صنعته ووزعت نشاطاته في المنطقة التي ابتليت به اسما وفعلا. وحسب ما نشر بأن هذه الحرب تصاعدت في حدة استهداف أبراج نقل الطاقة الكهربائية في العراق، لتصل إلى العاصمة بغداد، بعد أن تركزت سابقا في محافظات أخرى مثل ديالى وكركوك والأنبار، وهو تطور يصفه مختصون بالشأن الأمني، بـ”التحول الخطير الذي يستوجب استنفار المؤسسات الأمنية والعسكرية”. لا سيما مع الارتفاع العالي في درجات الحرارة، والاستهداف المتكرر لأبراج النقل في المناطق النائية، الذي تسبب بانهيار للطاقة ودفع إلى استقالات وانتقادات. ومؤخرا شهدت مناطق بالعاصمة بغداد، استهدافا لأبراج نقل الكهرباء، لأول مرة، منذ بدء تلك العمليات الإرهابية، مما أثار استغراب المتابعين للأوضاع الأمنية، خصوصا في ظل التقارير الدولية، التي تتحدث عن تنامي نفوذ “داعش” في بعض مناطق العراق. وبهذا، تزداد المخاوف من إمكانية تنفيذه عمليات إرهابية متنوعة في قلب العاصة بغداد.
وحسب ما نشر من أخبار عن آخر عمليات الاستهداف، أعلنت خلية الإعلام الأمني، إحباط عملية تفجير أحد الأبراج الرئيسية التي تربط محافظة بغداد ومحطة القدس الكهربائية في منطقة الوزيرية، وسطها. وقالت الخلية في بيان لها عن إحباط “عملية تفجير لأحد الأبراج الكهربائية الرئيسية التي تربط بغداد ومحطة القدس”. وأوضحت أنه “بناءً على معلومات استخبارية بشأن نية عناصر “داعش” الإرهابي تفجير أحد الأبراج الرئيسية التي تربط بين بغداد ومحطة القدس الكهربائية، تم تشكيل فريق عمل على ضوء المعلومة، وبالتنسيق مع الفرقة الأولى بالشرطة الاتحادية، تم إحباط هذه المحاولة وضبط 8 عبوات مزروعة على ركائز البرج الـ4 وتفكيكها من قبل الجهد الفني”.
أضاف بيان لوزارة الكهرباء أن “خط نقل الطاقة الكهربائية (شرق بغداد رقم 2) التابع للشركة العامة لنقل الطاقة الكهربائية للمنطقة الوسطى تعرض إلى عمل إرهابي تخريبي بتفجير عبوات ناسفة أدت إلى تضرر البرج المرقم (36) وانحناء البرج”. كما تعرض في اليوم ذاته، برج لنقل الطاقة في منطقة النهروان جنوب شرق العاصمة، إلى تفجير بعبوة ناسفة. وتتابع الوزارة الأخبار عن مثل هذه العمليات الإرهابية وكأنها تسعى إلى توثيقها ببيانات.
من جهتها أصدرت وزارة الداخلية، بيانات باسمها، أحصت فيها منذ مطلع العام الحالي، وحتى تموز/ يوليو الماضي، تعرض أكثر من 100 برج للتخريب، فضلا عن 50 خطًّا لنقل الطاقة. ولم تتوانَ وسائل الإعلام بمختلف صورها عن المتابعة والتسجيل لما يحصل في هذه الأزمة التي تبدو أكثر استعصاء من غيرها في بلاد الرافدين والنفط والطاقات البشرية والمادية التي لا تعد ولا تحصى.
وضعت دراسات حول الأزمة وحلولها وصرفت مليارات الدولارات، منذ الاحتلال 2003 وخلال تلك الفترة نشأت مافيات جديدة، لتوفير الكهرباء عبر مولدات، مستفيدة من استفحال الأزمة واستشراء الفساد الإداري والمالي، والضغوط التي تفرضها دول الاحتلال على أي حل ممكن. كما تعقد الإدارة الأميركية خصوصا الوصول إلى أي حل، حتى عبر شركات أميركية، كجنرال إلكتريك. حتى أصبح الوضع لغزا، بين مسؤولين فاسدين ومرتشين وأجهزة متواطئة وقرارات دولية لها أهدافها في استمرار الأزمة وتدمير الاقتصاد الوطني وتخريب البنى التحتية وإشغال المواطنين بعذابات يومية.
الطريف بالأمر أحيانا يصرح مسؤولون عراقيون لهم صلة ما بالتدهور في توفير الطاقة والكهرباء بأن “هناك من يحاول زعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى”! دون أن يضع إصبعه على الجرح ويواجه الحقيقة ويحاسب ضميره وحسه الوطني ومسؤوليته في الواجب والحقوق.
وأصبح الحديث عن هذه الأزمة عموما وانقطاع الكهرباء منها، في أشد أيام الصيف حرا، في كل يوم لساعات طويلة عن مؤسسات رسمية كالمستشفيات وحتى المطارات، حديثا عاديا متداولا. ولم ينفع معه رد الفعل من خلال الحراك الشعبي والاحتجاجات والمطالب الجماهيرية، لا سيما في محافظات الجنوب ووسط العراق، وما قدم من دماء وقتلى وجرحى.
في ظل هذه الأوضاع المتردية واشتداد الأزمة تزايدت هجمات “داعش” في استهداف خطوط نقل الكهرباء الرئيسية في العراق وخصوصا أبراجها التي يبلغ عددها في العراق 46 ألف برج. ولم تقتصر الهجمات على خطوط نقل الطاقة، بل شملت محطات توليد الكهرباء. وكل هذا يبين تنسيقا متكاملا بين أصحاب القرار في حل هذه الأزمة في بلد كالعراق، يتمتع بثروات وخبرات لا تضاهى بالمقارنة مع بلدان عربية أخرى، يفرض عليه أن يستأجر الطاقة منها، وتتناقلها الأخبار والمؤتمرات دون حل حقيقي وإلزام فعلي لتخليص الشعب من معاناته من استمرارها لتلك الفترة والسنوات المتعاقبة.
ومن السخرية التي شاعت في العراق، أن كل هذه الأمور يتبناها تنظيم “داعش” الإرهابي، وتلحقه بيانات وتصريحات تعبِّر عن مصادرها وتعكس المشاركة الفعلية في استمرار الأزمة، كما هو مع استمرار خطر تنظيم “داعش” في تفاقم الأزمات وتوليد الحروب الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية، داخل العراق وخارجها. حتى صار عنوانا من عناوين أزمة الكهرباء في العراق.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap