الثلاثاء 19 أكتوبر 2021 م - ١٢ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العدول النحوي والصرفي ودورهما في بلاغة النص القرآني (5)

العدول النحوي والصرفي ودورهما في بلاغة النص القرآني (5)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
إن كتاب الله تعالى، وهو القرآن الكريم،معجز إعجازًا تامًّا: فهو معجز في حرفه، ومعجز في ضبطه، ومعجز في بِنْيتِهِ، وصرفه، ومعجز في أسلوبه، ونحوه، وبليغ في تراكيبه، وكذا هو معجز في وَصْله، كما هو معجز في وقْفه، حتى إنه معجز في سكته، أو سكتاته،حيث تحوطه البلاغةُ من بين يديه، ومن خلفه، ويشتمل علىقمم الفصاحة من كلِّ حدب، وصوب، وفي أيْ عصر، ومَصْر، فمع مجيئه على وفاق القاعدة، وانضباط القياسفهو بليغ، ومع وروده مخالفًاـ في الظاهر، وفي بعض أوجهه الإعرابية ـ فهو كذلك بليغ، بل أسمى ما تكون البلاغة، فلقيمةٍ مَّا، ولدروس إيمانية ما، وأغراض، وأهداف تربوية ما، يأتي السياقُ القرآنيُّ أحيانًا مخالفًالأصلَ القاعدةِ النحوية، أو الصرفية (وهذا ما يبدو للمتعجل، ويُظَنُّ كذاك في الظاهر)، لكنه عند التحقيق، ومعرفة السياق، وما يدور من معنى، ودلالة ، وفحوى، ومضمون، نتأكد من أنه بلغ في تلك المخالفة قممَ المعاني، وضرب كبد الحقيقة، وترسم أعلى المفاهيم، وتسنَّم أدق الدلالات بتلك المخالفة، التي هي عند المتعجل مخالفة، وعند وضع اللفظة في سياقاتها ترى أنها أصابت عين الحقيقة، والمرء معها يسجد لله شكرا: أن جاءت على تلك الصورة، واشتملت على هذه البنية، أو ذاك الأسلوب، ونأخذ مثالا على جانب البنية:(الصرف)، ومثالا آخر على جانب التركيب:(النحو) لنرى أن تلك المخالفة أو هذا العدول كان أبلغ، وورد أعمق دلالة من أن لو أتى على أصل القاعدة، وورد على ما أوجبه السياق والضابط الصرفي، أو النحوي، يقول الله تعالى:(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا، الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء 140 ـ 143).
في هذه الآيات وردت لفظة (نَسْتَحْوِذْ) بوزن (نَسْتَفْعِلْ)، وظاهريًّا هي واردة على غير وفاق القاعدة، وحتى نفهم وجْهَ العدول في تلك اللفظة الكريمة هناك أمور صرفية يجب فهمُها أولا قبل تحليل اللفظة، منها: أن اللغة العربية إذا سبق حرفَ الواوِ في أي لفظة منها كَسْرٌ انقلبت الواوُ ياءً لتناسب الكسر، نزولا على قاعدة (التماثل الصوتي)، وقاعدة (الإعلال بالقلب في الواو الساكنة إثر كسر)، حيث تتحول الواو، وهي حرف علة، إلى ياء، وهي حرف علة؛ لتتناغم مع الكسر قبلها، مثلًا الفعل المبني للمجهول:(قيل) بوزن (فُعِلَ)، أصله من القول، فهو واويُّ العين، فـ(قِيلَ) أصله (قُوِلَ) بضم القاف، وكسر الواو، وفتح اللام: (فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهول) مثل:(كُتِبَ، وفُتِحَ، واُكِلَ، وضُرِبَ)، ولكنَّ اللغة لا تقول:(قُوِلَ)، وإنما تقول:(قِيلَ)، نحو:(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود ـ 44)، ونحو:(وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (الجاثية ـ 34)، وكذا نحو:(وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة)، إلى غير ذلك من أفعال أخرى تنقلب فيها الواو ياءً، بسبب كسر ما قبلها، وهذا يُسَمَّى إعلالًا بالقلب، فهو إعلال لأنه حاصل في حرف علة، حيث ينقلب حرف العلة إلى حرف علة آخر؛ تناغمًا مع حركة ما قبله، فإذا كانت كسرا قلبت الواو ياء، نحو: (خِيفَ، وعِيدَ، وصِيمَ، وصِينَ، وسِيمَ .. ونحوها)، وقد يحدث أن يجتمع إعلالان: الأول إعلال بالنقل، يترتب عليه إعلال آخر، يسمَّى الإعلال بالقلب، وذلك في كل مضارع رباعي أو خماسي أو سداسي، واوي العين، أي عينه واو، أي: وسط ميزانه واو، نحو:(يستعيد) من العَوْد، فأصلها (نستعْوِدُ)، و(نستكين) أصله:(نستكْوِن)، ويستميل أصلها:(يستمْوِلُ)، ونستزيد أصله:(نستزْوِدُ)، كل ذلك حدث فيه أولا إعلال بالنقل حيث نُقِلَتْ حركة المعتل (الواو) إلى الصحيح الساكن قبله (العين)، ونُقِلَتْ سكون الصحيح (العين) إلى المعتل بعده (الواو)، فصارت (نستَعِوْدُ)، فوقعت الواو ساكنة إثر كسر قبلها، فقلبت الواوُ ياءً، فصارت (نستعيد)، وهكذا في بقية الأفعال الأخرى المتقدمة، وسواء وقع لك في الرباعي (أعاد)، أو الخماسي (انجاب واجتال)، أو السداسي (استعاد، واستجاب، واستنار) ـ فكلها يحدث فيها إعلالان: بالنقل، والقلب، بل أحيانًا ـ وهو ما نحن فيه ـ يحدث ثلاثة أنواع من الإعلال: بالنقل، والقلب، والحذف، مثل ما نحن فيه الآن من الآية الكريمة، ولتوضيحه نقول:(ألم تستَقِلْ، وأنت في قمة زهوك وتفوقك؟!)، و(ألم تستَعِدْ حقك منه بالقوة؟!)، و(ألم تستعر هذا الكتاب مراتٍ من قبل؟!)، حدث في كلِّ فعل هنا ثلاثة أنواع من الإعلال، فهو أولا أصله (نستَعْوِدْ) بكسر الواو، وسكون العين، ثم بعد الإعلال بالنقل صار (نستعِوْد) بكسر العين، وسكون الواو، ثم صار له إعلال بالقلب؛ لتحرك العين بالكسر وسكون الواو بعد الإعلال بالنقل، فقلبت الواو ياء:(إعلال بالقلب)، فإذا دخل حرف الجزم (لم) سكن آخرُ الفعل، وهو الدال، فالتقى سكونه مع سكون الواو قبلها بسبب الإعلال بالنقل، واللغة لا تجيز التقاء الساكنين، فتحذف الواو؛ لئلا يلتقي ساكنان، فتصير (ألم نستعِدْ حقوقنا كاملةً)، (ألم نستجب لطلبك؟)، (ألم نستعر الكتابَ مرارًا؟)، وهكذا يحدث في المضارع الواوي: الرباعي، والخماسي، والسداسي المتقدم عليه حرف جزم ثلاثةُ أنواع من الإعلال:(النقل، والقلب، والحذف، كلُ حذف مترتبٌ على سابقه)، وهنا يبرز التساؤل: هلا حدث للفعل الذي ورد في الآية:(ألم نستحوذ) عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟!” مثل هذا اللون من الإعلال؟، ولِمَ لَمْ تحذف الواو في (نستحوذ) مع تقدم حرف الجزم(لم)، وبقاء الواو رغم وجود موجب حذفها وهو التقاء الساكنين؟!، حيث كان يلزم ـ وفق القاعدة ـ أن يقال:(ألم نستحِذْ عليكم؟).
إنه وفق الضابط الصرفي يلزم حدوث ثلاثة أنواع من الإعلال: إعلال بالنقل، وإعلال بالقلب، وإعلال بالحذف، كما سبق شرحه في:(ألم نستعِدْ حَقَّكَ؟) حيث إن هذا الفعل كهذا الفعل، فهو استحاذ سداسي، وهو مضارع، وهو كلك مجزوم، فكان حسب القاعدة أن يحدث له ثلاثة أنواع من الإعلال، وهنا لم يحدث له أيُّ لون من ألوان الإعلال، وعومل الفعل المضارع الواوي العينِ المزيدُ المتقدمُ عليه حرفُ الجزم معاملةَ الفعل الصحيح تمامًا بتمام، وحذوَ النعلِ بالنعلِ، فما علة ذلك العدول، وما دلالته الإيمانية، ولم خالف اللفظ ما عليه مثيلُه من الأفعال في اللغة؟!.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap