الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 م - ٣ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / التاريخ: حوليون ومسجلون وفلاسفة
التاريخ: حوليون ومسجلون وفلاسفة

التاريخ: حوليون ومسجلون وفلاسفة

أ.د. محمد الدعمي:
لا يمكن الاتفاق مع “أصحاب الحوليات” Chroniclers الذين يعدون التاريخ مجرد “سجل” تحتوي جداوله على أحداث السنوات والعقود والأعوام على نحو متتالٍ ومنتظم زمنيًّا. هذا هو أهم خلل يقع به الجهلة، نظرًا لأنهم يفرغون التاريخ من فلسفته ومن دلالاته التعليمية.
وإذا كان هؤلاء “الحوليون”، من بين سواهم، يخطئون التاريخ بوصفه سجل مجرد، فإن الأكثر اختلالًا هم هؤلاء الذين يعدون التاريخ مجرد هواية لجمع البقايا واللقى والمسكوكات والتحفيات التي خلَّفها القدماء لجيلنا وللأجيال التالية. وبهذا المفهوم غير السوي يتحول التاريخ إلى مجرد لقى وبقايا جامعة لغبار الزمن.
أما المدخل الأدق للتاريخ فيتلخص في أنه “رسالة تعليمية” من الماضي إلى الحاضر. هذا المدخل هو جوهر ما أطلق عليه عنوان “التاريخ الجديد” New History، أي التاريخ المثقل بالمعاني والخبرات، الأمر الذي يجعل مهمة رصد واستخراج دروس ودلالات التاريخ من أخطر وأصعب المهمات التي تتطلب مثابرة أذكى العقول وأكثرها اتقادًا على سبيل إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل على نحو يفيد جيلنا الحاضر، ثم الأجيال الصاعدة الواحد تلو الآخر.
عندما يتحول التاريخ إلى “مسجل مجرد”، فإنه يخذل المجتمع وطبقاته العاملة الواسعة، خصوصًا الكالحة منها، تلك التي بداخلها تكمن محركات التاريخ الحقيقية. لذا، يتوجب أن يبتعد التاريخ أن يكون مجرد قص متتابع لحوليات “البلاط” و”المعسكر”: فالتاريخ الحقيقي لا يمكن أن يختزل في المعسكر والبلاط فحسب، لأنه يكمن في السواعد السمر العاملة الحقيقية التي تحيل التراب تبرًا: فتزرع الأرض وتنبتها، وتصنع الأدوات وسواها من المنتجات المصنعة التي تبدعها وتضخها أيادي الفعلة من العمال المزارعين والحرفيين؛ أي هؤلاء الذين يموتون ولا تذكر “سجلات التاريخ” لهم اسمًا تخلد إبداعهم ومثابرتهم، آلامهم وآمالهم، خصوصًا عندما يضغط التاريخ لأن يغدو جدولًا بأسماء الملوك والرؤساء وبعناوين الحروب والمعارك التي خربت الحضارة، بدلًا عن بنائها وإغنائها

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap