الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 م - ٣ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / وصفة عمانية مخلصة لتحقيق مصالح الشعوب
وصفة عمانية مخلصة لتحقيق مصالح الشعوب

وصفة عمانية مخلصة لتحقيق مصالح الشعوب

إبراهيم بدوي:
لم تكن كلمة السلطنة أمام الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد كلمة للتعريف بالثوابت الأساسية والمبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية العمانية فقط، بل هي في الأساس رسالة تحمل مبادئ وقِيَما إنسانية تعلي من قيمة الإنسان، وتدعو للتعاون المثمر لتحقيق سعادته، فإذا التزم بها الجميع، يصبح العالم أكثر أمنا وسلاما، ويحل التعاون القائم على التنمية محل الصراعات والحروب التي تلتهم فرص التنمية في كافة بقاع المعمورة. فالرؤية العمانية تعتمد على كلمات واضحة، لها إرث من الأفعال تؤكد مصداقيتها، وتؤكد أنها ليست مجرد شعارات تغلف ما يخالفها، لكنها دعوة خالصة تحمل هموم الإنسان والإنسانية في طياتها، وتعمل على إذكاء روح التعاون المثمر بين الدول والشعوب، تعاون خلاق يعي المعضلات الحداثية للإنسانية، ويعمل على حلها، دون تضييع الجهود في صراعات لا طائل منها.
إن الاهتمام بالإنسان هو جوهر الشخصية العمانية، وهو الأساس الذي قامت عليه ومن أجله الدولة العمانية الحديثة، ومن أجل راحته ورفاهيته تنطلق السياسات والخطط الداخلية، لذا فليس من المستغرب أن تحرص على تحقيق سعادته السياسات الخارجية، فالتعاون الدولي وإرساء السلام إقليميا وعالميا هدفه الرئيس حماية مقدرات الإنسان وحقوقه، كما أن إعلاء قِيَم احترام القوانين الدولية رسالة تؤكد على أن العالم يجب ألا يكون غابة يفرض القوي على الضعيف إملاءاته. إنها فلسفة عمانية مخلصة تؤمن بأن إعلاء المُثل العليا ليس مجرد شعارات، بل إنه الأساس الذي يجب أن يعمل الجميع من أجله لحماية البشرية، والعمل على تحقيق النمو المستدام، بشكل يخدم العنصر البشري ويراعي وحدة المصالح والمصير.
إن المعايشة للإنسان العماني تترك لك انطباعا واحدا بأن البيئة كان لها أثر كبير في تكوينه؛ فالسياسات الخارجية والشعارات الحكيمة والسليمة تنبع من نفوس عمانية أصيلة تحترم الآخر وتحتويه، وتؤمن بلغة الحوار، فمن حكم تجربتي الشخصية وطول معاشرتي لأبناء عُمان وإقامة صداقات طويلة، أستطيع أن أؤكد أن السياسة الخارجية والداخلية العمانية نابعة من توجه شعبي جمعي وفردي، يؤمن بما عبَّر عنه البيان بصدق وإخلاص، فالمواطن العماني تجده على المستوى الشخصي يؤمن بأنَّ حل الخلافات بروح الوفاق والتسامح إنما هو سلوك حضاري يتسم به، ويؤدي إلى نتائج أفضل وأدوم مما يمكن تحقيقه عن طريق الصراع، فتعبير معالي السيد وزير الخارجية على أن لغة اللسان أمضى من لغة السِّنان ينبع من الإيمان الراسخ للعمانيين بهذه المبادئ والقِيَم، التي تجدها حولك في كل ربوع السلطنة الحبيبة.
ومن هذا المنطلق القِيَمي، فمن الطبيعي أن تقدم السلطنة كافة الإمكانات، وأن تستفيد من علاقاتها الخارجية التي تقوم على الاحترام المتبادل واحترام خصوصية الغير، في الإسهام في خدمة قضايا السلام على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وأن تكون بوابة لحل المشاكل والصراعات على أُسس تهدف لحماية حق الإنسان في الحياة كهدف رئيسي، وتعمل على تحقيق أمنه واستقراره بشكل يفتح الآفاق للتعاون الممزوج بوحدة المصالح إقليميا وعالميا.
ولعل ما يؤكد الدور الحيوي الذي تقوم به السلطنة في المحيط الإقليمي، هو دورها الملموس في حلحلة الأزمة اليمنية والتي عبَّرت عنه في كلمتها الأخيرة، والتي أكدت فيها على أنها ماضية في مساعيها الدؤوبة والعمل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة والمبعوثين الأممي والأميركي الخاصين باليمن والأطراف اليمنية المعنية، بهدف إنهاء الحرب من خلال تحقيق وقف شامل
ودائم لإطلاق النار من الأطراف كافة، واستئناف الجهود الإنسانية بشكل كامل، بغية توفير احتياجات الأشقاء في اليمن وخصوصا الدواء والرعاية الصحية، والغذاء والوقود والإسكان، وتشديدها على حتمية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة القائمة، بما يعيد إلى اليمن الشقيق أمنه واستقراره، وعودة الحياة فيه إلى طبيعتها، ويحفظ أمن دول المنطقة ومصالحها.
وهو ذات المنطلق الذي خرجت منه تصريحات سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، والتي أكدت على مبادرة بلاده لإنهاء الأزمة اليمنية التي تتضمن وقف إطلاق نار شاملًا تحت مراقبة الأمم المتحدة، وبدء السماح بدخول سفن المشتقات النفطية إلى ميناء الحديدة وفتح مطار صنعاء الدولي لرحلات من محطات مختارة وإليها، إضافة إلى الرحلات الإغاثية الحالية وبدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف، مما يؤكد على نجاعة الخط الذي اتخذته السلطنة منذ بداية الأزمة.
وليست الحالة اليمنية هي الحالة الفريدة التي تنظر فيها وجهة النظر العمانية لمصلحة الشعوب، فكافة القضايا والصراعات بالمنطقة والعالم تقوم الرؤية العمانية فيها على تغليب مصلحة الشعوب، فالسلطنة أكدت أن الطريق إلى التنمية المُستدامة ما زال طويلًا ووعرًا، وأن تحقيق الالتزامات مرهون بالقدرة على مواجهة التحديات، وهو ما يتطلب تعاونًا دوليًّا وإقليميًّا مشتركًا.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap