السبت 27 نوفمبر 2021 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مكارم الأخلاق (7) نظريات التكوين الأخلاقي

مكارم الأخلاق (7) نظريات التكوين الأخلاقي

سامي الهاشلي:
اختلف علماء الاجتماع من مسلمين وغير مسلمين في تحديد فلسفة الأخلاق هل هي فطرية أم مكتسبة؟، واختلف من قال بأنها مكتسبة، فمنهم من أرجع الكسب إلى التكوين الحياتي للإنسان، ومنهم من أعوزها للفهم العقلي للإنسان، وذهب آخرون إلى التأثير الاجتماعي، وإليكم إجمالا مما ذكر:
1. التكوين الحياتي: مرتبط بالجانب الوجداني المجرّد لدى الإنسان، من حيث المثير المادي والاستجابة التحرزية له، فمثلا الخسارة والعقاب ينتجان قلقًا ينتج من خلاله تجنب الصفات الشائنة، وهذا التفسير يفتقر إلى النور الداخلي الكاشف للقيم، وإن تعللوا بأنّ غيره غير قابل للقياس والبحث ولا يستطاع به تفسير الفروقات الفردية في اكتساب الخلق، وهي نزعة قائمة على المادة،فيبقى الجسد آلةمطفأة تحتاج إلى محرك مادي، ومتى ما وجد توجهت به، واستكمالًا لهذا الخلليتوجه أصحاب هذا التفسير إلى ضرورةوجود مكوّن آخر هو التدرب والتكرار والتقليد والتمثيل بالنماذج الخلقية، وتناسوا بذلك الإيمان الباطني وارتكزوا على ظواهر السلوك.
2. التكوين الاجتماعي: يرتكز هذا التفسير على السلطوية التربوية في المجتمع ابتداء من نطاقه الصغير في سلطة الوالدين في الأسرة إلى عموم ممثلي العادات السائدة في المجتمع، يقومون بتحديد الخير ليوجهوا إليه ولو بالثواب، وبتحديد الشر فيحذِّرون منه ولو بالعقاب، ويتفق على تلك السلطوية من ناحية العلاقات والاتصالات بين القوى الاجتماعية في تنظيم النشاط الإنساني، ويتخذونها مقياسا في تحديد الأخلاق، فما توافق مع تلك العلاقات يعتبر خلقا ينتهج، وبهذا عللواوجود الفروقات الحاصلة بين مجتمع وآخر إذ كل مجتمع على حسب نتاج ما اعتاد، ويبقى التعامل الفردي في هذا الجانب بما يضمره الشخص على الآخر من التزام ويتوقع منه استجابة متوافقة من ذلك التعامل، فلذلك سمي هذا الالتزام بالضمير.
يقر الإسلامبالعناية التربوية المجتمعية بل يحث على التربية الأخلاقية والمتابعة الدائمة لها بالتغذية والمراجعة والنقد الدائم، ما كانت التربية مبنية على أسس الأخلاق السليمة، أما الجانب التقليدي المجرد سواء للمجتمع أو الأب أو الأعراف فهو مذموم في القرآن الكريم ومنه قوله تعالى:(وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف 23)، فرب مجتمعات استساغت مناكر وقدمت شهوات ومالت ميلًا فاضحًا. نعم في ديننا نقبل الأعراف ونتخذها مصدرًا تشريعيًا، لكن ليس الأمر على إطلاقه، فكل عرف لا بد أن يعرض على توافق أصل التشريع فإن سلم قبل وإن خالف فإما يعدّل وإما يرد.
3. التفهم العقلي: رد العالم المربي السويسري (بياجيه ت:1980م) التفسير السلوكي إلى التفهم العقلي لدى الإنسان، ومن ذلك نشأ ما يعرف بنظرية (النمو العقلي في السلوك الأخلاقي) وهذه النظرية تؤكد على أهمية المعرفة والفكر في التكوين الخلقي، إذ عقل الإنسان مرشد ذاتي نشط، يتفكّر فيما يستقبله معتمدًا على ما ينتجه من مبادئ عامة يتخذها سلوكًا وأحكامًا، ولا يستجيب لما يراه حوله أو ما يفرض عليه، وهذا العالم قدم نظريات مهمة في مجال النمو الإنساني طبقًا لمراحل النمو، بيد أن هذا الاتجاه يرتكز على (الاتزان القائم على العدل، وليس على أساس الإنسان أو الإحساس البديهي بالواجب، وقدسية الخير، وإنما على الارتكاز إلى الأخذ والعطاء) (في النمو الأخلاقي، محمد رفقي محمد فتحي).
والذي يظهر من خلال محاولة لفهم بعض النصوص القرآنية والحديثية والعقلية والتجريبية أنّ الأمهات الكبرى للأخلاق مجبولة في النفس، وباقي التفريعات والتفصيلات تكتسب وتنمى بالتوجيهات العقلية والمجتمعية المتوافقة مع القرآن والسنة، فالرب سبحانه وتعالى خلق النفس الإنسانية بفطرة إيمانية ناصعة وخلقًا كريمًا أصيلًا في مكنونها، وعقد على ذلك عقدا بالتمسك بتلك الفطرة وأساسها الإقرار بالربوبية منذ النشأة الأولى، فيالأصلاب، قال الخالق ـ جلَّ جلاله:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَاۛأَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ) (الأعراف ـ 172)، ومصداقًا لهذا التكوين وتفسيرًا له،قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ) (رواه مالك والبخاري وأبو داوود)،ويستدل أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ على معنى الفطرة بقوله تعالى:(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم ـ 30)، وفسرها عبدالله بن المباركـ رضي الله عنه: بما خلق الله من السعادة والشقاوة، وهي (دين الاسلام التوحيد وتوابعه) عند القطب ـ رحمه الله ـ والتوابع المصاحبة للإسلام من الأخلاق الحميدة فبدونها لا معنى للإسلام،بل فسرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)بقوله:(هي دين الإسلام)قال القطب:(ومعنى فطرهم عليها خلق عقولهم قابلة لها، لائقة ولم يعلم الناس الصبيان الكفر لم يكفروا بعد البلوغ، بل يبلغون على الإسلام)(تيسير التفسير لمحمد يوسف أطفيش، ج8)، وروى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ربه تبارك وتعالى:(يقول الله عز وجل: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ) (رواه مسلم) ومعنى:(حنفاء كلهم) أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية (شرح المحقق لكتاب المسند الصحيح المختصر، محمد فؤاد عبد الباقي).
وكما تكونت أمهات السجايا الحميدة مع تكون النفس كذلك تكونت معها أمهات السجايا السيئة، وهذا من تأملات عبد الرحمن الميداني،ويمكن الاستشهاد على ذلك بقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس 7 ـ 8)، فأخلاق التقوى وأخلاق الفجور ممزوجة مع مادة النفس، وبينهما برزخ يميز بينهما بالعقل الباطني وهو الضمير،ومن ضمن الصفات الأصيلة المتكونة مع النفس الصدق والأمانة، يقابلهما الكذب والخيانة، لما روي عن سعدـ رضي الله عنه ـ أنه قال:(كُلُّ الْخِلَالِ يُطْبَعُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ، إِلَّا الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ) (أخرجه عبدالله بن المبارك الحنظلي في الزهد والرقائق)، وأنّ ما يضدهما من الكذب والخيانة وغيرهما من الصفات الذميمة تظل خلايا نائمة، لا توقظ إلا بالتحريض الخارجي الحاصل عليها، وتكون في غير مأمن بتوقف الرصد التربوي لها.
والنظريات الكسب في غالبها نظريات غربية، تتوافق في بعضها مع الصواب، وبعضها عرضة للنقد، والتعديل، ومما أنتجته الآراء في النمو الخلقي، أنتجت معها ضعفًا في التربية الخلقية، لأنّ النزعة المادية سادت ذلك العالم، فالربح والخسارة هي الأهداف التي يبرر بها الوسائل وإن كانت خلقًا، يزايد عليها في أسواق المال، والسياسات والتعاملات وينقص، أضف إلى ذلك الخواء الروحي الذي حلت محله الأنانية، فالخلق النابع من نور القلب يبصر به كل جميل، ويتقى به كل حسن، بقصد الرقي بالإنسانية، فوق الحيوانية والشيطانية.
لقد كثرت النظريات والبحوث التي تهتم بالتربية الخلقية، لما يشاهد من انحطاط يتتبع الذاتية مرتكزا، والمتعة الفردية هدفًا، وبه شاعت اللذات الجنسية والأمراض النفسية وانتشرت المسكرات والمخدرات للتخفيف من حدة العشوائية والغوغائية، وظهرت الإلحادات في زي مذاهب، والتمردات الخلقية في طرود فئوية، ولجأ البعض من عمق إحباطه إلى الشعوذة والسحر بحثًا عن العلاج، وظهر في الغرب وفي دول أخرى معادات الإسلام والمسلمين، بشكل علني وتنظيم على مستوى دول، برعاية حكومية ظاهرة. وفي المقال القادم ـ بحول الله ـ نركز على التكوين الخلقي في منهجية الإسلام وتنميته والارتقاء به، سواء على المستوى التربوي للناشئة أو على الذات.
* كاتب عماني

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap