- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

الطرب التكنولوجي

د. أحمد مصطفى أحمد:
للتكنولوجيا فوائد جمة يصعب حصرها، إلا أنها مثل أي نتاج بشري لها ما لها وعليها ما عليها. فكل المنتجات التي تسهل حياة الناس وتعين البشر على إعمار الأرض بشكل أكثر كفاءة لها أيضا أضرار جانبية. ويحتاج الأمر إلى مجلدات لشرح كل ابتكار تكنولوجي في العقود الأخيرة وفوائده وتأثيراته الجانبية. ولا يمكن لوم الإبداع البشري بابتكاراته التكنولوجية وتطويرها المستمر على نتائج اعتماد الناس عليها في حياتهم اليومية. إنما اللوم أولا وأخيرا على البشر الذين يستهلكون تلك المبتكرات التكنولوجية ربما ليس بالطريقة الأمثل أو بشكل يؤدي إلى إفراض تكون نتيجته اندثار قيمة العمل وتسطيح العقل. من مبتكرات التكنولوجيا التي طورت منذ عقود طويلة، تكنولوجيا الصوت بداية من تكبيره بمكبرات الصوت ليصل إلى أكبر عدد من الناس في أوسع دائرة ممكنة وبشكل أقوى بمراحل من صوت الحنجرة البشرية.
كان المطربون في الزمن القديم يقدمون غناءهم بدون “ميكروفون” – أي مكبر الصوت الكهربائي. وكان فنانون مثل أُم كلثوم ومحمد عبد المطلب، وغيرهم من الفنانين من المشرق والمغرب، يطربون جمهورهم بقوة صوتهم إلى جانب ألوان غنائهم المخدومة بالشعر والموسيقى. ثم جعل مكبر الصوت (الميكروفون) فنانين من أمثال عبد الحليم حافظ وأغلب المطربين العرب من المحيط إلى الخليج يطربون جمهورهم بغنائهم. واتسع ذلك الجمهور مع تطوير الإذاعة (الراديو). كما طورت آلات موسيقية تعمل بالكهرباء إلى أن وصلنا إلى آلات موسيقية متعددة الوظائف. في تلك الأثناء، ساهمت التكنولوجيا في تطوير مسجلات الصوت ومع اختراع الإذاعة لم يعد الطرب والاستمتاع بفن الغناء وغيره من الفنون حكرا على طبقة الموسرين، واتسع نطاق جمهوره ليشمل عامة الناس. كل ذلك ساهم في ترقية الذوق العام وارتفاع المستوى الثقافي للجماهير العريضة.
ما هذا إلا مجرد مثال على فوائد تكنولوجيا الصوت وبعض تطبيقاتها. لكن الآثار الجانبية قد لا تقل أهمية أيضا. ليس من قبيل “تنطع” البعض بأن سهولة وصول العوام من الناس للفنون المختلفة جعلها “مبتذلة” مثلما يتحدثون عن التعليم مثلا وأن إتاحته للجميع قلل من قيمته. فتلك الفئة المتنطعة تعاني من مرضية الحنين إلى الماضي بحيث لا ترى البؤس الذي كانت عليه الأغلبية من سكان الأرض بينما تتنعم قلة قليلة بخيراتها. وكيف أدى انتشار البؤس والفقر والجهل إلى تقلبات في مسيرة البشرية كانت أضرارها الجانبية هائلة.
إنما هنا أريد فقط إلقاء الضوء على مثال واحد لتطبيقات التطورات التكنولوجية في مجال الصوت له من الآثار الجانبية ما لم نلحظ أثره الضار بشكل كامل حتى الآن. لا أقصد هنا أن سهولة الوصول لتلك التكنولوجيا، مع التوسع في استخدام الإنترنت وتطبيقات الهواتف النقالة، جعل إمكانية تزوير الأصوات وتلفيق الأحاديث على لسان المسؤولين والمشاهير أمرا هينا على من يريد التضليل ونشر الجهل والفتنة. لكن أقصد أن تطورات تكنولوجيا الصوت جعلت الفن والطرب في أغلب الأحيان يفقد كثيرا من جودته ويسير في منحنى هبوط. بالرغم من أنه كان من المفترض أن تساعد التكنولوجيا في “التجويد” والإبداع بما يرفع الفنون إلى مستويات أرقى.
لا أتذكر إن كنت سمعت من المطرب القدير علي الحجار أو الفنان الموسيقي الراحل عمار الشريعي عبارة أن “الآلة مكَّنت الآن أي شخص أن يغني”. فهناك من المبتكرات التكنولوجية وبرامج الحاسوب (الكمبيوتر) في مجال الصوت ما يجعل الصوت الضعيف قويا، ويزيد من مساحة وطبقات الصوت البشري بل ويفعل الأعاجيب. وبالتالي أصبح “كل من هب ودب” يمكنه الغناء ما جعل كثيرين يصفون فن الغناء الآن بأنه “هابط”. ربما يرمي وصف الهبوط إلى الكلمات والمعاني في الموسيقى والأغاني. لكن ذلك ليس صحيحا تماما، فقد تكررت موجات الهبوط في فن الغناء على مر العصور، بل عندما تستمع إلى بعض الأغاني التي كانت شائعة منذ مئة عام تجدها أكثر هبوطا من بعض أغاني هذه الأيام. وينطبق الأمر على مراحل معيَّنة في قرون سابقة، ليس لدينا بالعربية فقط بل في كل لغات وثقافات العالم تقريبا. إنما هو بالأساس أن أهملت معايير الفن الأصيل، خصوصا لدى المغنين ولا أقول المطربين.
فالطرب هو شعور وإحساس يصل المتلقي بالأساس من صوت المطرب وقدرته على التأثير عبر أذن متلقيه بما يصل إلى قلبه وروحه. أما الغناء والأداء فأمر أكثر يسرا وسهولة، وإن كانت له معايير حدت أيضا من قدرات الصوت. الآن، أنت تسمع آلة أو برنامج حاسوب (كمبيوتر)، ويصعب كثيرا أن تطرب. ومن الخطأ لوم التكنولوجيا أو الجماهير على طريقة “الجمهور عاوز كده”. في منتصف القرن الماضي، مع انتشار الإذاعات المحلية في أميركا كان هناك مقدم برنامج مشهور عرض مسابقة في نهاية برنامجه بأن أسمع جمهوره معزوفة قصيرة وطلب أن يرسلوا للبرنامج رأيهم فيها. وبعد فترة، عرض نماذج من الرسائل المادحة والمنتقدة للمقطوعة، بل ومن ينسبها إلى موسيقيين عظام أو أنها تقليد لموسيقى كلاسيكية أصيلة. وكانت المفاجأة أنها لم تكن أي شيء، فقد أمسك المذيع بشوكة طعام معدني وخبط بها أمام مكبر الصوت (الميكروفون) بشكل عشوائي!! برأيكم من نلوم هنا؟