السبت 27 نوفمبر 2021 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / انتشال كورونا
انتشال كورونا

انتشال كورونا

حارث بن صالح العبري:
أراد أن يكتبَ قصة، كان لا بُدَّ له من أن يكتب تلك القصة، على الرغم من أنه لم يكن متمرسًا في كتابة الأدب كثيرًا، ولم يسبق له أن كتب سوى مرة واحدة، أراد أن يكتب بعمق الشعور هذه المرة، لأن رغبةً عنيفةً تدفعه للبوحِ عن كل ما في جوفه ليُدوِّن تفاصيل الأحداث التي عاشها هو ورفاقه طيلة فترة كورونا.
أراد أن يكتب عن ثوبِ الشجاعة التي لبسها أصدقائه لمجابهة تلك الجائحة في الوقت الذي كان الخوفُ هو الهاجس المهيمن على الآخرين في مجتمعه وفي العالم أجمع، أراد أن يكتب عن السيرِ في الطرقات وحيدًا ذاهبًا للعمل في وقت الإغلاق حيث ذلك الهدوء الذي يعم المكان، وكأنه في طريقِ الحرب حيث يختبئُ الناس في جحورهم وهو الجندي الذين يقاتل من أجلهم، أراد أن يكتب عن توقف الحياة، وعن الرغبة لإيجاد الحياة في قلوب المرضى الذين أهلكهم ذلك الوجع!.
أراد أن يكتب عن الساعات الطويلة التي قضاها في غرف العناية المركزة بـ(البدلة الثقيلة)، و(الكمام الخانق)، عن التقرحات التي أثقلت يديه، وعن الندبات التي ارتمست في وجهه، عن شتات عقله بين إرادته لكبح المرض وعن خوفه أن يكون سببًا في نقله، عن معانته النفسية مع المرضى الذين يصبحون بخير وفجأةً يخرجون من العنايةِ بلا حياة!.
أراد أن يكتب عن قدرتهم المذهلة في استقبال ذلك العدد الهائل من المرضى في كل يوم في أيام ذروة المرض، حيث يتوافدون عليهم من كل جانب كأنهم الفراش المبثوث، يجدون أنفسهم محاطين بأعداد هائلة من المرضى وبأقسام عديدة لم تكن تخطر في بالهم بأنها ستكون يومًا بذلك القدر، كان مجبرًا أن يكتب عن ذلك لأنها كانت فعلًا حربًا استثنائية.
أراد أن يكتب عن رفقائه، أولئك الأصدقاء الذين واجهوا غربتين، غربة الخوض في قسم جديد بكل تفاصليه، وغربة البعد حيث قطعوا مسافات الطريق! أراد أن يذكُرهم لأنهم جسدوا الفريق بأمثل ما يكون، كان هدفهم القضاء على العدو وكانوا من أجل تحقيق الهدف حازمين؛ لم يكترثون لشراسة الظروف، بل كانوا بكل الأحوال متأهبين لخوض الحرب والفوز بها.
هو لا يزال يحاول الكتابة، متمنيًا لو كان بإمكانه وصف الشعور كما يجب، لكنه يظل عاجزًا عن التعبير، فتلك الحرب التي خاضها لم تكن سهلة بتاتًا بالقدر الذي تقف فيه الأحرف عاجزة عن تكوين الكلمات لوصف الشعور بأدق تفاصيله! سيبقى عاجزًا عن الكتابة، ومحاولًا الهرب بتلك الذكريات إلى طريق النسيان حيث لا يصبح لها ذكرى أبدًا، محاولًا أن يجعل منها اسمًا عابرًا لا أكثر حتى لو كانت تحمل في طياتها حربًا لم تكن لتهدأ بسهولة ولم تكن تُنسى بسهولة أيضًا!.
لذلك سيظلُ انتشال كورونا من عقله صعبٌ جدًّا، بالقدر الذي يستصعب عليه انتقاء الكلمات لوصف أحداثه.

ممرض بالمستشفى السلطاني
al.abriharith@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap