السبت 27 نوفمبر 2021 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / أوراق الخريف: الأنواء المناخية.. الدروس والعبر
أوراق الخريف: الأنواء المناخية.. الدروس والعبر

أوراق الخريف: الأنواء المناخية.. الدروس والعبر

د. أحمد بن سالم باتميرا:
حقًّا.. جلالة السلطان المعظم: “كشفت لنا الأيام الماضية، عن ملحمة وطنية سطَّرها أبناء عُمان الأوفياء بثباتهم، وصبرهم، وتماسُكهم، وتعاضُدهم، وسيظل ذلك شاهدًا على قوة هذا الوطن، وقدرته على الصمود، في مواجهة الظروف والمتغيرات، ولقد كان ذلك امتدادًا لما بذله أبناء عُمان، من تضحيات على مرِّ العصور”. فكل شيء يا مولاي لأجل عُمان يهون.
لا يختلف اثنان على أن عُمان سطَّرت ملحمة وطنية، عنوانها التكاتف والتعاضد، فهبَّ أبناء كل محافظات السلطنة، وقدموا الغالي والنفيس لإخوانهم في شمال وجنوب الباطنة، مواطنين ومقيمين بعفوية وإخلاص، وحب ووفاء لهذا الوطن الغالي.
وقفة ليست بغريبة ولا جديدة على المجتمع العماني الأصيل، فالأنواء المناخية والأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، التي أصابت الباطنة، خلَّفت الكثير من الأضرار، ولكن أبناء عُمان تقبلوا هذه الأنواء وهي الحالة الطبيعية التي تحدث في العديد من بحار العالم، ومنها بحر عُمان وبحر العرب بإيمان قوي وتعاضد وتماسك ويقين بأن الأرض ستعود كما كانت وأفضل في قادم الأيام.
ومع ذلك علينا من اليوم العمل على كيفية الحدِّ من خطورة هذه الأنواء والأعاصير وجريان الأودية، والاستعداد لها من خلال إعادة النظر في الكثير من المخططات والدراسات القديمة للاستفادة منها في تمكين مجاري الأودية من الانسياب بكل يسر وتدفق دون تغيير أماكنها، وتمكين السدود ودعمها وتعميقها لتكون سدود حماية قوية، فالاستنفار الحقيقي يبدأ من هنا.
فتقليل خسائر الكوارث الطبيعية يتطلب أولا في المقام الأول الإسراع في حصر الأودية من بداية المصب، وتجميع مساراتها في طرق متعددة مهيأة لاستقبال الكميات الهائلة من المياه، ثم توجيهها في الطريق الصحيح عبر منافذ للبحر بكل يسر وسهولة، فخسارة مليار ريال عماني في تعزيز وتقوية البنية التحتية لمجاري الأودية والسيول أفضل من خسارة عمل 50 سنة، أو العديد من المليارات!
كما أقترح الإسراع ببناء مبانٍ سكنية مُجهزة ومخصصة للإيواء للمتضررين في بعض المحافظات على الأقل، وفي أماكن آمنة ومهيأة بصورة طيبة ومجهزة بالكامل لاستخدامها في حالة حدوث مثل هذه الأنواء المناخية.
فليس إعصار ـ شاهين ـ هو الأول، فقد تعرضت السلطنة خلال الفترة الماضية لأنواء مناخية أقوى ومماثلة، ولكن “شاهين” خلَّف دروسا اجتماعية ولوجستية عدة، يمكن الاستفادة منها، الأول أعلن عنه جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإنشاء صندوق للحالات الطارئة، والثاني إطلاق الجمعية العمانية للمتطوعين للحالات الطارئة، فالدور الكبير الذي قدمته الفرق التطوعية من مختلف محافظات السلطنة لإعادة الاطمئنان والابتسامة لأهالي الولايات المتضررة مع جهود القطاعات العسكرية والأمنية الكبيرة والمدنية والصحية والإعلام يجعلنا نستشف بأن عُمان أصبحت قادرة على إدارة مثل هذه الأزمات والأنواء الاستثنائية بكفاءة.
فأبناء عُمان الأوفياء لوطنهم ولسلطانهم رسموا ملحمة وطنية عظيمة في التكاتف والتآزر من ظفار لمسندم، وهي صور تعكس معدن الإنسان العماني عبر التاريخ، وتلاحمه في السراء والضراء، فما الهبَّة التي قامت بها محافظات السلطنة جميعها إلا رسالة قيمة وسامية بأن المواطن العماني إذا أصابه أذى هبَّ جميع إخوته للوقوف معه ومساعدته.
لذا أكرر دعوتي للجهات المختصة بأخذ الفيضانات في الاعتبار عند توزيع الأراضي وبناء الطرقات، وتحديد مسارات الأودية وتعميقها الرئيسية والفرعية وتوجيهها لمسارها الصحيح، وإعداد المخططات العمرانية مع تخصيص اشتراطات خاصة في المناطق المعرضة للفيضانات والأعاصير في مشاريع البنية الأساسية والمرافق العامة.
واليوم علينا تحليل مسارات الأودية والإبقاء عليها، وعدم ردمها أو البناء بداخلها، بل علينا توسيعها وربطها لتكون جاهزة للفيضانات وهطول الأمطار الغزيرة؛ لأننا نعرف أماكنها، ونطلق الاستراتيجية الوطنية للعناية بالأودية العمانية.
كما علينا من اليوم وصاعدا أن يكون بناء المنازل مرتفعا عن الأرض، وتكون المنازل أعلى من مستوى الطرق الداخلية فكل المخططات السكنية والتجارية والصناعية، مع بناء جسور قوية وواسعة لعبور المياه، ووقف توزيع وبناء المنازل في السبخات والمناطق المنخفضة في كل ربوع السلطنة.
كما علينا الرجوع للدراسات والمخططات القديمة لمعرفة رسومات الأودية وأحراماتها، وتجريم كل من يتعدى عليها، وإعطاء الأوامر لإزالتها قبل أن تتفاقم أضرارها في قادم السنين، فالدراسات أعتقد موجودة في الجهات المختصة للرجوع إليها والاستفادة منها، قبل أن نخسر مواطنا أو مقيما أو شجرة مثمرة أو معمرة أو بنية تحتية، فليس الأمر مجرد إعادة الأمور إلى طبيعتها، بل علاج الأمر من أساسه قبل أن يتفاقم في المستقبل.
فشكرا .. لقواتنا المسلحة وشرطة عمان السلطانية وجميع اللجان الوزارية والتطوعية على جهودها في تطويق أضرار الأنواء المناخية، وإعادة الخدمات الأساسية وإصلاح الأضرار، فلكم الشكر من قبل ومن بعد، فأنتم رجال هذا الوطن.
فجيش الوطن مهيأ وبكل جدارة لإدارة الأزمات، ومهيأ لإعادة وإصلاح الأضرار من طرقات ومياه وغيرها، فآمل أن يؤخذ في الاعتبار إعطاء وإسناد المناقصات لهم لتأهيل الطرقات الداخلية والأودية بدلا من الشركات؛ لأنني على يقين بأنهم سينجزون المهمة على أكمل وجه، كما أنني على يقين بأن الابتسامة ستعود للمناطق المتضررة؛ لأن جلالة السلطان المعظم ـ أيَّده الله ـ يتابع بشكل مباشر كل الأحداث، وكل ما يتم من خطوات لتجاوز الآثار التي خلَّفها الإعصار شاهين.
إن الهبَّة والتلاحم الذي أظهره أبناء عُمان كافة، والقوافل التي سُيِّرت لإغاثة المحتاجين والمتضررين، هي علامة فارقة، ونبراس ومنهج ستسير عليه الأجيال الحالية والقادمة، فالأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها.
فما شاهدناه بأعيُننا من تلاحم وتكاتف وتعاضد للمتطوعين من كل حدب وصوب والذين لبوا النداء من مختلف محافظات السلطنة، مع أنها ليست الأولى، مختلف هذه المرة؛ لأن الأضرار أكثر، ومع ذلك قامت الحكومة بدورها، فالأعاصير لها تأثيراتها مهما كانت قوة البنية التحتية، ولكن العمل على تقليل أضرارها يمكن أن يتم من خلال الاستفادة من الدروس والأفكار الصائبة والاطلاع على تجارب الدول الأخرى أيضا.
وكما قال رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. هكذا هي عُمان الوفاء والتسامح والسلام، كانت وما زالت أبوابها مفتوحة لكل من يسعى لعمل الخير دون منَّة من أحد أو إثراء أو دعاية إعلامية، فما جسده أبناؤها من صور العطاء والتعاضد والهبَّة في حمل جزء من تكاليف الأنواء هو درس للأجيال الواعدة والعقول النيرة والدول بأن عُمان شامخة كعادتها بقِيَمها النبيلة والإنسانية.. والله من وراء القصد.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap