السبت 27 نوفمبر 2021 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / من أنقاض (شاهين) حلقت مشاهد حضارية في سماء عمان
من أنقاض (شاهين) حلقت مشاهد حضارية في سماء عمان

من أنقاض (شاهين) حلقت مشاهد حضارية في سماء عمان

سعود بن علي الحارثي:
أولا : صديقي سعيد الكندي شكل فريقا عائليا طارئا، يتكون من أفراد أسرته وأعمامه وبني عمه… بلغ عددهم “ثمانين فردا”، وبعد جمع المبالغ التي تبرعوا بها، عبأوا ما يقارب من عشرين سيارة من مختلف الأحجام، وتم إجراء التنسيق في الولايات المنكوبة، توجهوا بمعداتهم وأدوات التنظيف وما يساعدهم على العمل الميداني، للمساهمة ما وسعهم يدا بيد مع الآخرين من مختلف الولايات لإعادة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها، وتقديم العون والمساعدة للمتضررين بما استطاعوا جمعه من سلع ووسائل وأجهزة مختلفة، ووضع أنفسهم كمتطوعين في الأعمال المطلوبة، من توزيع وتنظيف وتنسيق وتوفير المزيد من الاحتياجات. صديقي الآخر علي الحارثي، قاد سيارته “البيكب”، إلى ولايتي السويق والخابورة، بعد أن ملأها بالمطلوب من مواد غذائية ومياه وفرش وأدوات تنظيف…إلخ، عشرات، بل مئات الأصدقاء والمعارف والجيران والأرحام الذين أعرفهم كانوا ضمن الأعمال التطوعية فرادى وجماعات أو منضوين في فرق ونوادٍ وجمعيات وأطر مؤسسية ومجتمعية متخصصة هبوا لنجدة ومساعدة إخوانهم في الولايات الثلاث المنكوبة، والآلاف تبرعوا بالمال المحول مباشرة إلى حساب الجمعيات الخيرية والأسر المتضررة والفرق التطوعية. هوس جميل ومدهش أصاب الجميع، وانطبق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على العمانيين في هذه الأيام “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. فأي مشهد جليل وصورة حضارية مشرفة ونموذج إنساني متفرد قدمه العمانيون من أنقاض “شاهين”؟
ثانيا: هل كنا نحتاج إلى إعصار مزلزل بحجم “الشاهين”، حتى يقدم لنا مشهد آلاف الشباب العمانيين وهم يضحون بأرواحهم ومالهم ويبذلون ما في وسعهم من قدرات وإمكانات ومهارات، ويظهرون فرادة العماني في الحقل الميداني مبادرا متبرعا عاملا مساعدا مساهما، إنسانيا من الطراز الأول، من أجل عُمان وأبناء هذا الوطن المجيد؟ هل نحتاج إلى هكذا حدث جسيم لكي يبرر لنا ويؤكد على أصالة الشاب العماني وجديته وصلابته وبراعته وروحه العالية وقوة إرادته، ونعزز ثقتنا ونعمقها في قدراته وكفاءته، لا في هذا المجال ولكن في كل الحقول والمجالات والأعمال والقطاعات التي تحتاجه ويحتاجها من أجل مستقبل مشرق مزدهر لهذا الوطن. لقد أثبت الشاب العماني بأنه ليس كسولا ولا ضعيفا ولا تنقصه المهارة والوطنية والوعي والشعور بالمسؤولية، وعلى الجميع بعد هذه النماذج المشرفة إدراك هذه الحقيقة وبالأخص المسؤولون في القطاعين الحكومي والخاص. كما أنه يجب استثمار هذه اللحمة الوطنية المسؤولة، والهبَّة المجتمعية العالية، في تنظيم وتعظيم شأن العمل التطوعي والاسهام الخيري، وفي الشراكة المفيدة ذات العلاقة بالسياسات والقرارات الخاصة بهذا المجال الذي أثبت قدرات وإمكانات كبيرة في وقت الأزمات والكوارث والجوائح.
ثالثا: لا شك بأن مواقف وصور ومشاهد عديدة عكرت قليلا صفو هذا التلاحم والنبض العماني الواحد والروح الوطنية الصادقة، وأخطاء وثغرات وسلبيات ظهرت من هنا وهناك، منها، التوظيف النفعي والشخصي للكارثة من ذوي النفوس الضعيفة، ومحاولة التقليل من الجهود الوطنية العظيمة المبذولة، وغياب المسؤولين الحكوميين الطارئ والعاجل عن الميدان بما تتطلبه المسؤولية ويحتمه الواجب، وتأخر القرارات وآليات العمل الحكومية، ضعف التنسيق بين القوى الفاعلة والعاملة في الميدان، فالجهود كما عبَّر عنها أحد المتطوعين “شبه مبعثرة ولا يوجد ترتيب واضح للأولويات ولا خطط يسير عليها العاملون في المناطق المنكوبة ولا يعرف الكثيرون حتى، من أين يبدؤون وكيف سينتهي عملهم…”، والتصوير المكثف والمفرط للعمل التطوعي، من أجل الشهرة وزيادة المتابعين وبعض السلوكيات والظواهر المرتبطة بالوجاهة والمظاهر والترويج للذات والتي تعد ضمن هذا المشهد الوطني الجليل أمرا إنسانيا طبيعيا، يفضل إهماله وتجاوزه، وتلاشيه واضمحلاله، فمن المسلمات أن يحدث ذلك، أمام طوفان الجهود والمبادرات والتضحيات الباهرة، والتي ستبقى من الدروس المستفادة في المستقبل.
رابعا: إن الهبَّة المجتمعية النشطة والمكثفة، التي انطلقت من محافظات وولايات وقرى عُمان، من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، نثرت رياحين البهجة والسعادة، وعمقت مشاعر الإيجابية والطمأنينة، وعززت من الثقة واليقين، وخففت كثيرا من حجم الخسائر الكبيرة التي ألحقها “شاهين” بالمناطق التي مر عليها، فالإنسان بابتسامته الأسرة، وروحه المرحة، بتضحياته ومبادراته الخيرة، بإسهاماته وأخلاقه العالية، بروحه الإنسانية وخطواته ومواقفه الإيجابية، قادر على برء جراح أخيه الإنسان، والتخفيف من آلامه، ومداواة أسقامه، ورفع معنوياته والتقليل من تأثيرات الصدمات التي تلقاها، وإشعاره بأنه ليس وحده في ساحات المعركة، فكل أبناء الوطن يحيطون به، يسهمون ويشاركون ويعملون من أجل تجاوز المحنة، وهذا ما قدمه “شاهين” للوطن، صورة رائعة، راقية، جميلة يفتخر به العمانيون، ورسالة واضحة يقدمونها للعالم، تعبِّر عن تاريخ وحضارة ومكانة وأصالة عُمان .
خامسا: جميع من تواصلت معهم من أصدقاء ومعارف وزملاء سابقين من سكان الولايات الثلاث المنكوبة، للاطمئنان على سلامتهم، والسؤال عن أحوالهم، وتبين أوضاعهم، كانوا في حالة من الصدمة لهول ما وقع، وأجمعوا على أن المشاهد والصور التي خلَّفها على أرض الواقع “شاهين”، كارثية، وبأن الفاجعة كبيرة جدا، والخسائر جسيمة، وبأن مقاطع الفيديو واللقطات المصورة التي نشاهدها في وسائل التواصل لا تعبر حتى عن جزء بسيط من الحقيقة، وأكدوا أن العبث بالأودية وسد مجاريها والاعتداء عليها كان العامل الرئيسي لتدمير المنازل والمزارع وأملاك المواطنين وأجزاء واسعة من البنية التحتية، وأن الأودية الجارفة المتدفقة التي بلغ مساحة جريان بعضها 40 كيلومترا، هي التي تسببت في رعب الأسر والمواطنين، مضيفين بأن هذه الكوارث سوف تتكرر وسوف يظل المجتمع العماني في حالة من الخوف والهلع إذا لم تستفد الحكومة من درسي “جونو” و”شاهين” خصوصا، فتسارع إلى تقديم وتنفيذ حلول ابتكارية لمعالجة مسارات الأودية ودرء فيضاناتها ونقل المناطق السكنية إلى مخططات أكثر أمانا.
أخيرا: يقول المثل الشعبي المتداول “يولد الخير من رحم الشر” وقيل من “بطنه”، و”شاهين” تسبب في كوارث ودمار واسع وخسائر مهولة، نفسية ومالية، في الأرواح والممتلكات، ومن رحم شره خرج خير عظيم، هذه اللحمة الوطنية المتماسكة، والروح الإنسانية في شعورها العميق بآلام الآخر ومعاناته، والتدافع الصادق والمنافسة الشريفة للإسهام في تعافي البلاد والعباد وإعادة الإعمار إلى النفوس والقلوب والبنية التحتية… والتي تناولها محاور المقال بتفصيل، وكميات المياه الهائلة التي سقطت على السهول والجبال، أخصبت الأودية والأفلاج والمزارع بعد جدب وجفاف، وعظمت من نسب العذب منها على حساب مياه البحر المالحة في سهل الباطنة خصوصا، والمزارع والمنازل والبنية التحتية ستعود بحال ووضع أفضل بمشيئة الله، وبجهود المجتمع والحكومة، وأخيرا هذه الدروس والتجارب العميقة التي قدمها لنا “على طبق من ذهب” لرفع الجاهزية والتمرس والخبرة في التعامل مع الجوائح والكوارث والأنواء الاستثنائية، والاستفادة منها في تقزيم وتحجيم كمياتها ونسبها وأضرارها في المستقبل.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap