الأحد 5 ديسمبر 2021 م - ١ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل العلاقات الفرنسية ـ الأميركية (أزمة الغواصات الفرنسية نموذجا)
مستقبل العلاقات الفرنسية ـ الأميركية (أزمة الغواصات الفرنسية نموذجا)

مستقبل العلاقات الفرنسية ـ الأميركية (أزمة الغواصات الفرنسية نموذجا)

محمد بن سعيد الفطيسي:
لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، هذا ما تؤكده قواعد السياسة وموجِّهات العلاقات الدولية في مختلف العصور. فعلاقات الدول ببعضها البعض تتجاذبها المصالح والمطامح بشكل دائم ومستمر، وتوجهها العديد من القواعد والسياسات الداخلية والدولية، بالإضافة إلى أذرع القوة والسلطة في النظام السياسي، وهو ما أكد عليه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك حول العلاقات الفرنسية الأميركية على سبيل المثال. بقوله “إن العلاقات الفرنسية ـ الأميركية كانت وستظل دائما متعارضة وممتازة”.
أعاد هذه المقولة إلى سطح العلاقات الأميركية ـ الفرنسية مجددا ما أطلق بأزمة الغواصات الفرنسية الأسترالية، وهي صفقة كانت فرنسا قد تعاقدت فيها مع أستراليا لبناء أسطول من الغواصات التقليدية، إلا أن هذه الأخيرة تراجعت عن هذه الصفقة لتتعاقد مع الولايات المتحدة الأميركية على بديل من الغواصات التي تعمل بالوقود النووي باستخدام التكنولوجيا الأميركية ـ البريطانية.
الأمر الذي دفع بالعلاقات الفرنسية ـ الأميركية إلى الاضطراب والدخول إلى قائمة من أشكال المواجهات والخلافات السياسية واسترجاع الكثير من التاريخ المتضاد والأزمات بين الدولتين، لعل أبرز تلك الردود الفرنسية على ما أطلق عليه بالخيانة الثلاثية (الأميركية ـ الأسترالية ـ البريطانية) للحليف الفرنسي، كانت استدعاء سفيري فرنسا في أميركا وأستراليا، وإلغاء اجتماع كان مقررا بين وزير الجيوش الفرنسية ونظيره البريطاني، بالإضافة إلى تهديد فرنسا بالانسحاب من حلف الناتو.
على ضوء ذلك نطرح الأسئلة الآتية: هل يمكن أن تتطور الأزمة الفرنسية الأميركية إلى أبعد مما هو عليه الآن من التعقيدات؟ بحيث يمكن القول إنها ستؤثر سلبا وبدرجة خطيرة على استقرار النظام السياسي والأمن الدولي عموما والعلاقات بين البلدين خصوصا؟
بتصوري، إن مثل هذا النوع من الأزمات، خصوصا عندما يكون أطرافها دولا بحجم وثقل أطراف الأزمة السابقة مع مراعاة التفوق الأميركي ـ بكل تأكيد يمكن أن تتعقد، ولكنها لا تصل إلى أبعد من الخلافات السياسية. وفي الغالب تحل عبر تسويات وتنازلات متبادلة أو صفقات مشابهة عبر التعويض الجانبي لفرنسا من خلال أميركا وأستراليا، وفي أسوأ السيناريوهات ربما تستمر لفترة زمنية معيَّنة حتى يتم التدخل لحلها من قبل أطراف دولية أخرى لها وزنها وثقلها عبر حلول دبلوماسية، وهذا ما يطلق عليه بالواقع العملي للعلاقات الدولية.
صحيح أن للأزمة جانبا معنويا ونفسيا، يضاف إلى ذلك، وبلا شك ستبقى هذه القضية في الذاكرة التاريخية الفرنسية مثلها مثل قضايا تاريخية سابقة؛ باعتبار أن مثل هذه التصرفات تعكس سلوكيات وتصرفات غير محمودة، ولا تعبِّر عن الثقة والتعاون، وتُعد شكلا من أشكال الطعن في الخاصرة كما وصفتها القيادة الفرنسية، ولكن في الغالب لا يكون لمثل هذه الاندفاعات أو العواطف تأثير على الواقع العملي الراهن لأطراف الأزمة لاعتبارات مختلفة أهمها المصالح المشتركة في قضايا أخرى، وحاجة كل طرف إلى الآخر؛ باعتبار وقوع الدول تحت التأثير الحتمي لمبدأ الاعتمادية أو التبادلية الدولية.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap