الأحد 5 ديسمبر 2021 م - ١ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقة العضوية والنفعية بين الإرهاب والفساد
العلاقة العضوية والنفعية بين الإرهاب والفساد

العلاقة العضوية والنفعية بين الإرهاب والفساد

محمد بن سعيد الفطيسي:
بين الإرهاب والفساد علاقة عضوية ونفعية وطيدة، فكلما توسع الفساد أفسح للإرهاب وانتشار التنظيمات الإرهابية جزءا من المساحة الجغرافية والأمنية والمكانة السياسية. فكيف يتم ذلك؟
الفساد جريمة توازي خطورتها جرائم الإرهاب، فهي ليست جريمة مالية أو إدارية فقط، بل جريمة أخلاقية وإنسانية كذلك، فإذا كان الإرهاب ينشر الرعب في المجتمع ويدمر البنية الاقتصادية ويخل بمختلف أشكال الأمن والاستقرار؛ في المقابل يشوه الفساد التنمية السياسية ويدمر الاقتصاد الوطني بطريقة أوسع وأخطر، كما أنه سبب مباشر من أسباب تدمير الاستقرار الاجتماعي.
بمعنى آخر، إن الفساد هو شكل من أشكال الإرهاب ولكن لا دوي له، فهو ينتشر مثل السرطان في الجسد الوطني ليغير المنظومة بأسرها نحو نظام سياسي واقتصادي بديل يتناسب معه أو خاص به فيه يتم “تغيير أغراض الحكومات لخدمة هدف ليس له علاقة تذكر بالإدارة العامة”.
وقد أثبت الواقع العملي تلك العلاقة النفعية بين الإرهاب والفساد، وليس أدل على ذلك من الدول التي ينتشر فيها الإرهاب وتتوسع فيها التنظيمات الإرهابية كما هو حال بعض دول منطقة الساحل الإفريقي (2 )، رغم أن الفساد ظاهرة عالمية لا تنفرد بها تلك المنطقة الجغرافية (1 ) وما يزيد من خطورة الوضع في ظل تلك الدائرة الواسعة هي التداعيات والآثار الناتجة عن انتشار الفساد والتي تسبق ظهور جرائم الإرهاب، أقصد ضعف الأنظمة السياسية أو دخولها في مرحلة من عدم الاستقرار والفوضى.
إذًا كيف يمكن ربط الفساد بالإرهاب بشكل أدق؟ أبرز الملاحظات التي تم توثيقها علميا وبحثيا في هذا السياق في الدول التي ينتشر فيها الإرهاب اليوم أو عانت منه في فترة من الفترات، أن انتشار الفساد تسبب بانهيار التنمية والاقتصاد بشكل تدريجي، حيث أدى التراجع أو ضعف الاقتصاد وبشكل واضح في انتشار التفاوت الاجتماعي، وتوسع شريحة الفقراء، وضعف العدالة وتضييق الحريات، وانتشار الجرائم المرتبطة بالفساد، وضعف الاقتصاد مثل القتل والرشوة والسرقة والمخدرات.
من أبرز الآثار المحفزة للإرهاب والناتجة عن انتشار الفساد وضعف الاقتصاد كذلك، وهي آثار سابقة لوقوع الجرائم إفساح الطريق للأفكار الانتقامية والمتطرفة ضد النظام السياسي والمجتمع بشكل عام، فعلى سبيل المثال، يعد “الفقر أحد معطيات ظاهرة الإرهاب، إذ يلعب دورًا في توفير الكوادر البشرية للميليشيات الإرهابية، التي تتخذ من الإرهاب أو الجريمة المنظمة وسيلة للارتزاق وكسب العيش”.
وقد أشرت إلى قضية ارتباط الاقتصاد بالجريمة في كتابي “الدولة المطمئنة” ص 237، كما أعيد نقل قول هارولد لاسكي في كتابه “الحرية في الدول الحديثة” بقوله “إنه حين يبدأ اقتصاد المجتمع بالانكماش، حينئذ تكون الحرية في خطر، فالتقلصات الاقتصادية دائما تعني الخوف، والخوف يولد الشك باستمرار ـ وهو ما يجعل أفراد المجتمع ـ أكثر استعدادا للسماع إلى الأصوات الجديدة (منها أصوات التنظيمات الإرهابية والإرهابيين) (3 ) وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة، وفي هذه الحالة لا تستطيع الدولة الاحتفاظ بسلطتها لذلك تلجا إما إلى القمع الداخلي أو الحرب مع الدول الأخرى”(4 )
إذًا العديد من المشاكل التي تعاني منها مختلف الدول والحكومات اليوم، خصوصا في الجانب الاقتصادي، قد تكون نتيجة مباشرة لانتشار الفساد وليس ضعف الموارد ومصادر الدخل، البعض لا يعترف بذلك أو يكابر حياله أو يطلق عليه مسميات أخرى، فيتأخر في المعالجات أو يهملها بشكل كامل حتى تدخل المنظومة بأكملها في حالة من التدهور والانهيار، وهنا تتدخل الأصوات الخارجية وحتى تلك الأصوات الداخلية من النفعية وأصحاب المصالح الشخصية على حساب المصالح الوطنية، ولعل أخطرهم جميعا تلك التنظيمات الإرهابية والأصوات المتشددة والمتطرفة سياسيا ودينيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع

1 ـ – لمزيد من المعرفة حول هذا الموضوع راجع: محمد سعيد الفطيسي، الاتجاهات المستقبلية للإرهاب (التحول في مراكز الثقل) صحيفة الوطن، تاريخ النشر 2/5/ 2021م، تاريخ الدخول 23/10/2021م على الرابط:

الاتجاهات المستقبلية للإرهاب (التحول في مراكز الثقل)

2 ـ – أكد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الأربعاء الموافق 15/9/2021م، بالمؤتمر الدولي لاسترداد الأموال المنهوبة، بالعاصمة بغداد أن الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة، كما أن الفساد وتبديد قدراتِ الدولة وإمكاناتِها إرهاب صريح، وقد مهد الفساد الطريق لعصابات داعش لتدنيس أرض العراق. المصدر: تغريدة منشورة بموقع المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بتاريخ 15 سبتمبر 2021 الوقت 2:35، الرابط: https://sptnkne.ws/HnXe

3 ـ – أشار تقرير منظمة الشفافية الدولية والذي يحمل اسم “المحفز الكبير” إلى أن ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، استغل الفساد لنشر التطرف والتجنيد، مقدما نفسه على أنه العلاج للفساد. المرجع: هل يغذي فساد الدولة تيارات التطرف؟ موقع البي بي سي بالعربي، تاريخ النشر 21 فبراير 2017 تاريخ الدخول 22 أكتوبر 2021
على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/interactivity-39039802

4 ـ – هارولد لاسكي، الحرية في الدول الحديثة، ترجمة أحمد رضوان، دار النديم، لبنان، 1957 ص 5

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap