الأحد 5 ديسمبر 2021 م - ١ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / أحببت السقوط
أحببت السقوط

أحببت السقوط

نجوى عبداللطيف جناحي:
في كل مرة كنت أسقط فيها كنت أتألم كثيرا، ولم تكن آلامي نتيجة ارتطام جسدي بالأرض أو بأي جسم آخر محيط بي، بل إن التعثر والسقوط في حدِّ ذاته هو مصدر للألم الشديد. نعم يؤلمني السقوط؛ لأنه يعني لي الفشل، يعني التأخر في مسيرتي في درب أسير فيه لأصل إلى غايتي، فأعاني من حرقة الإحباطات وآه من آلام الإحباط، هي موجعة وأي وجع؟ أتألم من حرقة الإحراج الذي يشتعل بجسدي كله وأنا أشعر أن عيون الآخرين تراقب سقوطي لترجمني فأقرأ في عيونهم سطورا وصفحات تكفي لأن تحطم قلبي، أقرأ السخرية، والشماتة، والشفقة، والاستنكار، وربما نظرات الاعتبار كي لا يكرروا مثل خطئي فيتعثروا مثلي، فأكون عبرة لمن لا يعتبر. وحتى بعدما أنهض وأتعافى تواصل تلك العيون في رجمي وكأنها لم تنتهِ بعد من تنفيذ حكمها على، ولعلَّ تلك النظرات الراجمة هي السبب في آلامي، وهي التي تجعلني أخشى السقوط، وأتجنب أن يتكرر، فأعيد النظر في كل خطوة أخطوها إلى الأمام كي لا أسقط فأرجم ويستمر رجمي بالنظرات لفترات طويلة.
نعم يؤلمني السقوط، وأعترف أني أخاف السقوط، لكنني اليوم وبعد أن نلت ما نلت من تجارب السقوط، أدركت أن في السقوط نعمة!!! فعندما تأملت عثراتي الكثيرة أدركت أن في كل مرة كنت أسقط فيها تعقبها قصة نجاح حتى أدركت أن جميع قصص النجاح التي أنجزتها لم تكن إلا ثمرة لسقوط آلمني وأبكاني. فالسقوط يتيح لي البدء من جديد بذكاء أكبر، والسقوط يجعلني أتريث لتبرأ جراحي، فألتقط أنفاسي فأحظى بفرصة للتوقف والتأمل وإعادة النظر في خطِّ سيري، وفي طريقتي، وفي مواقفي، فأبصر ما غاب عن عيني، فأبدأ رسم طريق جديد في نهايته قصة نجاح، وأفعل، وأنجح، وأفخر، وكم تكرر هذا السيناريو في حياتي: سقوط، فنهضة، فنجاح، حتى أحببت السقوط وأصبحت أرحب به، وأستبشر به.
نعم أحببت السقوط، فلم يعد يؤلمني، وبتُّ لا أكترث بنظرات اللوم والعتاب التي يرجمني بها الناس عندما أسقط، لم تعد رجوم نظرات الناس تشتت تفكيري وتشغلني عن التفكير والتأمل وتلمُّس طريق النجاح، لأبدأ من جديد ولأنتهي بالنجاح. نعم أحببت السقوط؛ لأنني أيقنت أن كل منا سيسقط لا محالة، فنحن البشر قدراتنا محدودة متأرجحة، متفاوتة، حتى من يرجمني بالنظرات لم يسلم من السقوط، لم أعد أسعى لإرضاء الناس، ولم أعد أنشغل برضا الناس فبات شغلي الشاغل نجاحي، فالفشل الحقيقي ليس في السقوط، بل في عدم القدرة على النهوض.
تعلمت من السقوط أن أضبط انفعالاتي وأن أسيطر عليها، فلا تلهيني عن غاياتي. تعلمت أن أتسلح بالمعلومات والمعرفة فأنهمك في البحث. تعلمت ألا أكترث بانتقادات الناس ولكن في الوقت نفسه أهتم بهم وأقيم علاقات طيبة معهم، فالعلاقات الإيجابية مع الناس تختصر طريق النجاح. تعلمت أن أعتني بصحتي فأمارس الرياضة، وأهتم بغذائي، فالعليل لن يقدر على صناعة قصص النجاح. تعلمت أن أجازف، أن أغامر، فمن لم يجرب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر. تعلمت ألا أستسلم للهواجس والمخاوف، فلا أخاف تكرار الفشل، ولا أخاف انتقادات الناس؛ لذا أنا أحرص على عقد صداقات مع الناجحين المتفائلين الذين أستمد منهم الحزم والإرادة والتفاؤل، فالروح الإيجابية تعدي الناس، وكذلك الروح السلبية هي معدية أيضا. تعلمت ألا أبرر سقوطي، وألا أبحث عن شماعة أعلق عليها أخطائي، فالاعتراف بالأخطاء هو بداية الطريق لإصلاحها. تعلمت أن الحاقدين والحاسدين لن يسعدوا بنجاحي مهما استرضيتهم، وسيفرحون بسقوطي مهما استنكرت فعلهم.
كم سرد التاريخ أحاديث لقصص من سقطوا ثم نهضوا ليصنعوا قصة نجاح، فها هم المسلمون هزموا في غزوة أحد ليعودوا منتصرين فاتحين، وها هو سيدنا يوسف يُلقى به في البئر، ويُزج به في السجن، لينهض ويتماسك فينال ثقة الملك ويدير خزائن مصر، وها هو سيدنا أيوب يسقط فريسة للمرض، فينهض ويستعيد ما فقد، فثق بأن الله هو المُعين، فإياه نعبد وإياه نستعين، فأحبب السقوط؛ لأنه بداية النجاح… ودمتم أبناء قومي سالمين.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap