الأحد 5 ديسمبر 2021 م - ١ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / حلول هندسية .. مقاومة للأنواء المناخية
حلول هندسية .. مقاومة للأنواء المناخية

حلول هندسية .. مقاومة للأنواء المناخية

محمد عبد الصادق:
قرابة 14 سنة المسافة الزمنية بين “جونو” و”شاهين”، شهدت السلطنة خلالها أكثر من حالة جوية ما بين أعاصير “فيت” و”شابالا” و”ميكونو” ومنخفضات جوية متفاوتة الغزارة، نتج عنها أضرار فادحة في المساكن والبنية الأساسية، الأمر الذي أدخل السلطنة في حزام المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من الكوارث الطبيعية، الأمر الذي يستدعي البحث عن طرق وأساليب جديدة للبناء؛ سواء للمساكن والمنشآت أو الطرق والجسور، ولا ضير من الاستعانة بتجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال ونجحت في ترويض “الأعاصير”، فهناك دول مقاربة لنا في الدخل والمعدلات التنموية، يزورها أكثر من إعصار في السنة الواحدة، واستطاعت التعامل معها والخروج بأقل الخسائر، بل استفادت من كميات المياه الهائلة الناتجة عنها، بإنشاء سدود تخزين طبيعية في المناطق المنخفضة والاستفادة من المياه في الزراعة، وإنشاء مصايد للرياح وتحويلها لطاقة كهربية.
لا بد من وضع “كود” جديد للبناء يتضمن نوعية المواد المستخدمة وطريقة البناء المقاوم للأمطار والرياح، ومنع التعدي أو البناء في مجاري الأودية، كما يجب على شركات التأمين أن يكون لها دور في التيسير على الناس وتشجيعهم على التغطية التأمينية لمنازلهم وممتلكاتهم، ولا يكون نشاطها مقصورا على التأمين ضد حوادث السير والمركبات.
هناك تقنيات حديثة ظهرت في العالم لبناء منازل مقاومة للأعاصير، ففي أميركا صدر قانون جديد للبناء يلزم المدن المعرضة للأعاصير والتي تزيد سرعة الرياح المصاحبة لها عن 180 كيلومترا في الساعة، ببناء المنازل من مواد بناء خاصة ونوافذ وأبواب فولاذية مصفحة، واستخدام تصميمات دائرية وقباب وأشكال مخروطية للأسقف، لتفادي المياه الشديدة والرياح العاتية، وتدعيم أسطح المنازل بحاجز للمياه لمنع تسربها للداخل، وتغطية السقف وتعزيزه بفواصل متصلة بالجدران، وهناك شاشات سوداء توضع على الشرفات للتصدي للحطام المصاحب للأعاصير.
وصممت إحدى الشركات مؤخرا منازل ذكية تنزل إلى الأسفل حين تهب الرياح والأعاصير، حيث زودت بحساسات وأجهزة استشعار تتنبأ بالحالة الجوية المحيطة بالمنزل، فيهبط المبنى إلى الأسفل باستخدام النظام الهيدروليكي، وبعد نزوله يتم تغطيته بألواح محكمة تمنع تسرب المياه، ولكن يعيب هذه المنازل ارتفاع التكاليف التي لا يقدر عليها سوى المليونيرات.
في ولاية لويزيانا الأميركية وبالتحديد عاصمتها نيو أورلينز تهب أعاصير مدمرة في أوقات متقاربة، لعل أشهرها الإعصار كاترينا في العام 2005م والذي ألحق دمارا شديدا بالمدينة وأودى بحياة أكثر من 1800 شخص، وخسائر تفوق الـ100مليار دولار، واستغرقت عمليات إعادة الإعمار أكثر من 10 سنوات وشهدت جدلا كبيرا، بسبب تعدي التكلفة مئات المليارات، حيث تضمنت أنظمة حماية حديثة من الفيضانات، عن طريق إنشاء سلسلة من الحواجز والمصدات والجزر الصناعية حول المدينة، وعمل حلقة دائرية لمسافة 210 كيلومترات مقاومة للأمواج والعواصف بارتفاع 9 أمتار، وتم اختبار هذا النظام عندما ضرب الإعصار “أيدا” المدينة مؤخرا، ووضح الفارق الكبير في الأضرار مقارنة بما حدث في “كاترينا”، وخرج حاكم الولاية بعد مرور الإعصار بسلام يقول: لم نعد الولاية نفسها التي كانت قبل 16 عاما، لدينا نظام لخفض المخاطر المرتبطة بالأعاصير، وبفضله تمكنا من حماية المدينة والسكان.
بعد الانتهاء من إزالة آثار “شاهين”، وتضميد جراح المتضررين، وتأهيل المنازل المتضررة والتعويض عن الممتلكات التي فقدت، وإعادة الخدمات الأساسية للمناطق المنكوبة، لا بد من وقفة متأنية للبحث عن حلول مستدامة لمشكلة الأعاصير والحالات الجوية المتكررة، فليس من المقبول أن تغرق نفس الأماكن التي غرقت منذ 14 سنة في “جونو” وما تلاه من حالات جوية، ولم نستطع خلال هذه السنوات الوصول إلى حلول ناجعة تحميها من قوة الأمطار وبطش الرياح.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap