الأحد 5 ديسمبر 2021 م - ١ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / الإجماع العربي: بين المد والجزر
الإجماع العربي: بين المد والجزر

الإجماع العربي: بين المد والجزر

أ.د. محمد الدعمي:
عندما يراجع المرء محاضر الاجتماعات الأولى التي قادت إلى تأسيس “بيت العرب”، “جامعة الدول العربية” (سبق لمجلة “شؤون عربية” أن نشرت أجزاءً منها)، فإنه لا بُدَّ أن يذهل، بل ويصدم لمديات تآكل ما نطلق عليه بــ”الإجماع العربي”، بين مرحلة تأسيس الجامعة المبكرة (على عهد نوري السعيد باشا، في العراق والنحاس باشا، في مصر)، ذلك أن هذه المحاضر والمواثيق الأولى التي أفضت إلى إعلان الإسكندرية بعد إنما ترسم صورة “رومانسية”، بمعنى الكلمة، لهذا الإجماع القومي المثالي، إذ كان أغلب الحكام العرب لا يحيدون قيد أنملة عن شروط ومعطيات الإجماع “القومي” الذي قاد إلى تأسيس ظهور الجامعة، حقبة ذاك.
أما اليوم، ولبالغ الأسف، نحتاج لمعايير ومقاييس من نوع جديد لقياس درجات نكوص وتردي وتراجع هذا الإجماع، خصوصًا بعد مؤتمر قمة الخرطوم (1967)، الأكثر شهرة عربيًّا ودوليًّا بعنوان “مؤتمر اللاءات الثلاثة”، التي لم يتبقَّ منها أي “لاء” قط في عالمنا العربي اليوم.
وللمرء أن يلاحظ في هذا السياق المحزن (بقدر تعلق الأمر بالشعوب العربية) أن نواة الإجماع القومي الأصل (حقبة ذاك) إنما تمحورت حول فكرة “الوحدة العربية”، وهي النواة التي سرعان ما انشطرت إلى نواتين: (1) “الوحدة العربية”؛ (2) “تحرير فلسطين”، بعد تأسيس الكيان الصهيوني.
ربما فعلت النواتان فعلتهما في تردي وتآكل الإجماع العربي، خصوصًا بعد أن استحالتا أهدافًا بعيدة المنال، بكل معنى الكلمة. وإذا كان هناك من المفكرين القوميين العرب العديد من هؤلاء الذين دأبوا على ربط الفكرتين ربطًا عضويًّا؛ باعتبار أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتحقق إلا بعد بلوغ الهدف الأول؛ أي الوحدة العربية. لذا كانت حكاية “الإجماع العربي” هي دائمًا سلسلة من الانكسارات والإحباطات والهزائم المتتالية، درجة تحول “الإجماع” إلى “بقايا طللية”، تستدعي البكاء على الأطلال وكتابة معلقات لا تشبع من جوع، لبالغ الأسف.
إنه لمن دواعي التندر أن جميع مؤتمرات القمة العربية، منذ المؤتمر الأول، حتى الأخير، كانت تتأسس على فكرة الإجماع، على الرغم من أن جميع الحاضرين إنما يدركون بأن الإجماع هذا لم يعد سوى “طلل” غير قابل للحياة ولا للإحياء! ومع ذلك كله، يتمنى المرء أن لا تعقد قمة جديدة في أي من عواصمنا الصامدة بين “المحيط الهادر” و”الخليج الثائر”، دون حد أدنى من الإجماع، حد بدرجة من التدني أن أحدًا من القيادات العربية لا يمكن أن يعترض عليه!
وإذا كانت محطات إذاعات القاهرة وبغداد ودمشق تبث أنشودة “وحدة ما يغلبها غلَّاب” بين الفينة والفينة ولعقود من السنين، فإن المستمعين كانوا يزدادون تيقنًا بأن الوحدة المنشودة قد غلبت، مرة بعد الأخرى منذ عام 1956، إلى يومنا هذا.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap