السبت 27 نوفمبر 2021 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / هل نستفيد من دروس إعصار شاهين؟
هل نستفيد من دروس إعصار شاهين؟

هل نستفيد من دروس إعصار شاهين؟

خميس بن عبيد القطيطي:
ما زالت معالجات إعصار شاهين الذي ضرب السلطنة في الثالث من أكتوبر ٢٠٢١م تسود المشهد العماني. وقد قطعت السلطنة شوطا طويلا في معالجة البنية التحتية الواقعة بالقطاع الجغرافي لمنطقة الإعصار. والحقيقة أن التكاليف كبيرة والهبَّة المجتمعية والتدفقات المالية من قِبل المؤسسات والأفراد كانت في مستوى الحدث، وكذلك لا يمكن تجاهل الأدوار البارزة من قِبل الدولة عموما، سواء حكومية أو شعبية أو مؤسسات مجتمع مدني، وخصوصا الفرق الخيرية والتطوعية، وهذه الحالة الوطنية لاقت إشادة محلية وعربية ودولية، إلا أنه يجب أن نضع النقاط على الحروف بشكل حصيف ومحكم خوفا من تكرار العودة إلى المربع الأول، وتكرار سيناريو شاهين ٢٠٢١م ومن قَبله جونو ٢٠٠٧م؛ وذلك دون تجويد لهذه الأحداث والظواهر المناخية، وهنا نجد أنفسنا مضطرين للخوض في التفاصيل التي ـ بلا شك ـ سيتم تشخيصها من قِبل الجهات المعنيَّة بهذه الأحداث، ولا شك أن الدولة بجميع هيئاتها وأجهزتها ومؤسساتها معنيَّة بهذه التفاصيل، ونأمل أن توليها الأهمية القصوى من الدراسة والاستعداد بالشكل الوطني الذي نطمح إليه.
نعود لنؤكد أن الهيئات التي اعتمدتها السلطة التنفيذية في السلطنة معنيَّة بوضع النقاط على الحروف في حال تكرر المشهد مستقبلا ـ لا سمح الله ـ بحيث تكون الاستجابة العاجلة والمسبقة والوقائية والعلاجية كلها تسير وفق جدولة عملية واضحة جدا قَبْل حدوث المخاطر والأزمات ـ لا قدَّر الله .
أول درس يجب أخذه بالاعتبار للمستقبل هو التحذيرات من قِبل التنبؤات المناخية والتي يجب أن تكون واضحة ودقيقة ومحذرة بالشكل التفصيلي الدقيق والواضح تماما، لا أن نكتفي بالتحذير من مستوى كميات الأمطار وارتفاع أمواج البحر ونتركها على لوحة الأخبار دون الدخول في التفاصيل التحذيرية الدقيقة؛ بغضِّ النظر هل كنا على معرفة بمنطقة الإعصار أم لا؟ بل يجب وضع التحذيرات بما يكفي والتأكيد على إبعاد الممتلكات والمواد الثمينة من المناطق المعرضة للفيضانات، والتأكيد بشكل مستمر على الابتعاد عن المناطق القريبة من الأودية، وتأكيد التحذير أن الفيضانات ستشمل كل هذه المناطق القريبة من الأودية والمناطق المنخفضة وغيرها، والدخول في التفاصيل الإجرائية أيضا للتقليل من نسبة الخسائر، وهنا نرجو أن تتسع صدور الجهات المعنيَّة لهذا التنويه .
الدرس الآخر والمهم أيضا هو أهمية وجود معدات الإغاثة والإنقاذ والتموين جاهزة بالقرب من المنطقة المعرضة لهذه المخاطر، وهذا الأمر في الحقيقة كان ملموسا منذ اللحظة الأولى، وهنا لا بُدَّ أن نرفع التحية لمواطني هذا البلد العزيز نظرا لاستجابتهم السريعة والمسارعة إلى إغاثة أشقائهم في منطقة الإعصار بما استوجبته الروح الوطنية الوثابة والقِيَم العليا التي أشرنا إليها في مقالات سابقة، كذلك الإشارة وبفخر أيضا إلى الأجهزة التي سهرت تلك الليلة ولم تنل قسطها من الراحة من أجل إنقاذ العالقين ومتابعة أحوال المواطنين والمقيمين، إلا أن وجود بعض المؤسسات جاء متأخرا إلى حدٍّ ما، وكان ينبغي استعدادهم المسبق، خصوصا ما يتعلق بالإغاثة الأولية ومتطلباتها وعملية توزيعها ونشرها على شبكة الخريطة السكانية للقطاع المتضرر بشكل منظم وعاجل .
من دروس إعصار شاهين أيضا، ومع الترحيب بوجود ملحمة عُمانية وهبَّة وطنية من أفراد ومؤسسات مجتمع مدني، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب تنظيم وتوزيع وتخطيط وتقسيم المنطقة إلى قطاعات وتحديد الواجبات بشكل مسبق، بالإضافة إلى إنشاء فرق جديدة ووضعها تحت مظلة عامة، بحيث تكون كل ولاية بإدارتها التي تشمل جميع قراها وكل منطقة بفريقها، وأنسب وأسهل إدارة لتشكيل هذه الفرق وضعها تحت مظلة الفرق الأهلية والأندية الرياضية، ويتم تسجيل هذه الفرق التطوعية في وزارة التنمية الاجتماعية، وتعمل في وقت الطوارئ والمخاطر المتعددة والكوارث ـ لا قدَّر الله، ويمكن الإسهام والمشاركة بها في دول الجوار أيضا وقت الضرورات وهو أمر وارد، لا سيما أن الشعب العماني مرَّ بالتجربة ويتحلى بهذه الروح الوثابة وهذه القِيَم ويمتلك روح المبادرة للتصدي لمثل هذه الحالات بكل عزيمة وإقدام. وعليه، فإن إيلاء هذه الفرق التطوعية الأهمية المطلوبة ومنحها الدورات الكافية وتنظيمها وتوزيعها في وقت الأزمات بالشكل الصحيح والمنظم يقطع نصف الطريق في حال حدوث بعض المخاطر المناخية أو الطبيعية في المستقبل ـ لا قدَّر الله، وعلى كل فرد بالفريق معرفة دوره وواجباته، وبالتالي هناك من سيقوم بالبحث والإنقاذ في مختلف بيئات العمل، وهناك من سيعمل على توزيع وإيصال المؤن، وهناك من سيعمل في النظافة العامة وهلم جرا، ولا بُدَّ أن تكون هذه العملية تحت قيادة مركزية موحدة وغرفة عمليات واحدة مخصصة لمواجهة هذه المخاطر، ولا شك نقدر جهود اللجنة الوطنية للدفاع المدني في مواجهة مثل هذه الحالات، وهناك عدد من الجهات الأخرى المعنيَّة أيضا كالمركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، وهيئة الإغاثة والإيواء كجهات وطنية في مثل هذه الحالات المدارية والمخاطر المتعددة، ولا ننسى أيضا الجهود العظيمة التي تقدمها أجهزة الدولة عسكرية ومدنية كل في مسار عمله وقت حدوث هذه الحالات والمخاطر .
من النقاط العالقة التي ننادي بها منذ فترة طويلة موضوع سدود الحماية وزيادة عمل سدود التغذية الجوفية، وأهمية عمل آليات ولو ـ بدائية ـ كحفر في أعماق وبطون الأودية وتسييجها وحمايتها بحيث تعمل بشكل مزدوج كسدود حماية وتغذية جوفية، حتى يتم تنفيذ سدود الحماية، وهنا نقدم هذا المقترح على اعتبار أن السدود تحتاج إلى وقت طويل، لذا فمن الأهمية عمل هذه الحفر العميقة وعلى مسافات متفاوتة في بطون الأودية وحمايتها، فقد تكون هذه الآلية مناسبة للضرورة الراهنة بعد استشارة الخبراء حولها لتعمم الفكرة على مختلف أودية السلطنة في حال نجاحها .
من النقاط الأخرى التي تمثل أهمية وقد تكون حساسة نوعا ما، مسألة توزيع المؤن وأهمية تخصيص فرق متخصصة لها بحيث يشترك بها عناصر من هيئة الإغاثة والإيواء والفرق التطوعية والخيرية، إضافة إلى بعض الأدلاء من نفس المنطقة والقرى وتوزيع هذه المؤن بشكل عاجل وحسب الحاجة لها، وفي نفس التوقيت على أن يصاحب هذه الفرق عناصر معنيَّة بتقييم الأضرار والحصر والإحصاء لمعرفة حجم الأضرار في حينها ومن أرض الميدان، وكذلك تخصيص المساعدات العاجلة للفئة المتضررة وفقا للتقييم الواضح، وهذه المهمة تتطلب جهودا مضنية ودقيقة وعاجلة، وكذلك تتطلب تعزيزها بفرق متطوعة وبإشراف من قِبل وزارة التنمية الاجتماعية. ومن الأهمية تقسيم منطقة الإعصار إلى قطاعات وفق خرائط سكانية وإسكانية واضحة بشكل تفصيلي لإنجاز المهمة بشكل متزامن وسريع .
لا شك أن المنطقة المطلة على المحيط الهندي عموما والسلطنة خصوصا معرضة لمثل هذه الأنواء المناخية، وأصبح لازما على الجهات المعنيَّة وضع النقاط على الحروف، ووضع دليل مرجعي لمواجهة تداعيات أي حالة مدارية مستقبلا ـ لا قدَّر الله ـ ومعرفة العمل وتوزيعه بالشكل الصحيح والتنظيم السليم للخروج بأفضل النتائج في مواجهة مثل هذه المخاطر والحالات .
رغم أن ما شهدناه في إعصار شاهين كان مثيرا للفخر لعُمان “وطنا ودولة وشعبا” ولله الحمد، ولكن الاستفادة من الدروس أصبح حديث الرأي العام العماني ويتطلب الإصغاء له وإيلاؤه الأهمية القصوى، وذلك من أجل النجاح التام في أي حالة تمرُّ على هذا الوطن العزيز الذي نعيش فيه بكل الظروف، حفظ الله عُمان وسائر بلادنا العربية والعالم أجمع، والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين .

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap