الأربعاء 8 ديسمبر 2021 م - ٤ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / صنائع المعروف تقي مصارع السوء (3)

صنائع المعروف تقي مصارع السوء (3)

محمود عدلي الشريف:
إخوة التوحيد والهدى: اسمحوا لي أن أختم معكمحديثًا حول صنع المعروف والذي يقي صاحبه من كل شر وأشره مصرع السوء ـ حفظنا الله وإياكم.
فصنع المعروف ـ أيها الأحبة ـ طريق إلى الله تعالى لا يغلق ولا يضيق أبدًا دون سالكيه، فضلًا عن أنه شجرة خير لا ينقطع ثمارها ولا يقل بل يزداد يومًا فيوم، فالمعروف المعروف.. فإن الزمان يحدثنا عن فضله على بني الإنسان، بل قد تكون قد أصابتنا منه أيادي يتحدث القلب عنها ويذكرها العقل دومًا، قال علي ـ كرم اللّه وجهه:(لا يزهدك في المعروف كفر من كفر فقد يشكره الشاكر أضعاف جحود الكافر)، قال الماوردي:(فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجله حذراً من قوته ويبادر به خيفة عجزه ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه فكم من واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندماً ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلًا ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب فكره لكانت مغارمه مدحورة ومغانمه محبورة، وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها) (فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، ج10 ـ ص 360).
أيها الإخوة.. انظروا إلى هذا المعروف بين أبناء بنت رسول الله ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ذكر صاحب (المستطرف في كل فن مستطرف، ص: 126)كتب الحسن بن علي إلى أخيه الحسين ـ رضي الله عنهم ـ في إعطائه الشعراء، فكتب إليه الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقي به العرض. فانظر إلى شرف أدبه، وحسن خلقه كيف ابتدأ كتابه بأنت أعلم مني، وكان بينه وبين أخيه كلام، فقيل له: ادخل على أخيك، فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(أيما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر إلى الجنة)، فبلغ ذلك الحسن، فجاءه عاجلا ـ رضي الله عنهما.
ما أحوجنا إلى هذا التعامل التسامحي بيننا، إنه المعروف الذي به يحفظ الله أهله من الضيم، قال ابن عباس (رضي الله عنهما):(ورد علينا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة واليًا، وكأن وجهه ورقة من ورق المصحف، فوالله ما ترك فينا فقيرًا إلا أغناه، ولا مديونًا إلا أدى عنه دينه، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، ويكلمنا بكلام أحلى من الجنيّ، ولقد شهدت منه مشهدًا لو كان من معاوية لذكرته، تغدينا يوما عنده، فأقبل الفراش ـ الخادم ـ بصحفة، فعثر في وسادة، فوقعت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد، وانكب جميع ما فيها في حجره فبقي الغلام متمثلًا واقفًا ما معه من روحه إلا ما يقيم رجليه، فقام الوليد فدخل، فغيّر ثيابه، وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته، فأقبل على الفراش وقال يا بائس ما أرانا إلا روّعناك، اذهب، فأنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى)، وفيما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله)، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله)(رواه البزار والطبراني) في معجمه، ومعنى (عيال الله) فقراء الله تعالى، والخلق كلهم فقراء الله تعالى، وهو يعولهم، وفي مسند الشهاب عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(خير الناس أنفعهم للناس)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف)(رواه أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس)، وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:(قيل: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: أنفع الناس للناس، قيل: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: وما سرور المؤمن؟ قال: إشباع جوعته وتنفيس كربته، وقضاء دينه، ومن مشى مع أخيه في حاجة كان كصيام شهر واعتكافه، ومن مشى مع مظلوم يعينه ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ومن كف غضبه ستر الله عورته، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل)(المرجع السابق، ص: 128)،ويقول صاحب كتاب (العمل الصالح، ص: 408):(من صنع المعروف للناس وقاه الله كل منظر وحال يكره أن يصيبه في نفسه وأهله ومن ذلك موته في حال يكرهها أو احتراق منزله)،ومن جميل صنع المعروف ما أورد ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ في (روضة العقلاء) عن العقبي قال:(مرًّ سعيد بن العاص بدار رجل بالمدينة فاستسقى فسقوه، ثم مرَّ بالدار بعد زمن ومناد ينادي عليها فيمن يزيد؟ فقال لمولاه: سل لم تباع هذه؟ فرجع إليه فقال: على صاحبها دين، قال: فارجع إلى الدار، فرجع فوجد صاحبها جالسًا وغريمه معه، فقال: لِمَ تبيع دارك؟ قال: لهذا علي أربعة آلاف دينار، فنزل وتحدث معهما وبعث غلامه فأتاه ببدرة فدفع إلى الغريم أربعة آلاف ودفع الباقي إلى صاحب الدار وركب ومضى)،كما ينبغي على المسلم أن يتحلى بشكر المعروف فإن ذلك مما حث عليه النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ـ كما بيَّن (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)ـ أن من لم يشكر الناس لا يوفق لشكر الله تعالى، ففي حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود والنسائي: أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال:(من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعو له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، وفي حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذيأن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال:(من لا يشكرُ الناس لا يشكرُ الله) ومعنى (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، فيها وجهان:الأول: من كان طبعه وعادته عدم شكر الناس على معروفهم فإنه لا يوفق لشكر الله تعالى،والثاني: أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر الناس على إحسانهم إليه) (فصل الخطاب في الزهد،مرجع سابق10/ 360).
كما ينبغي على المسلم ألا يقلل من فعل شيء من المعروف ولو كان قليلًا، ففي الحديث (عن جابر بن سليم الهُجيميّ: أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله، إنّا قوم من أهل البادية، فعلّمنا شيئًا ينفعنا الله تبارك وتعالى به؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم: لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط)(أخرجه البخاري برقم:1417)، و(مسلم برقم: 1016).
وبمثل هذا التعليم لأهل البادية علّم (صلى الله عليه وسلم) أهل الحضر، فقال:(يا نساء المسلمات لا تحقرّن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)(أخرجه الإمام أحمد برقم:20110)، ويعلمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) قبول هذا القليل وعدم انتقاصه في حديث آخر، فيقول:(لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت) (أخرجه البخاري برقم: 2568)، قال ابن حجر: (وفي الحديث دليل على حسن خلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل)(فتح الباري 9/ 246)، وفي كتاب (الدين المعاملة، ص: 168):(وأحيانًا يُخذِّل الشيطان الواحد منا عن صنع المعروف، بحجة أن من نصنع له المعروف قد لا يكون محتاجًا، فقد يكون مدعيًا كذابًا اعتاد التسول واحترفه، لكن ينبغي ألا ننسى أنه قد يكون صادقًا محتاجًا، فلا يصح أن نمتنع عن بذل المعروف، فنعاقب المحتاج بجريرة الكذاب)، فلابد أن يتجاوز المسلم هذا التخذيل الشيطاني ويستمر في بذل المعروف..جعلنا الله وإياكم من صناع المعروف وحفظنا من مصارع السوء وأحسن خاتمتنا.. آمين.
ma.alsharif78@gmail.com*

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap