السبت 22 يناير 2022 م - ١٩ جمادى الأخرة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / الأوابد التاريخية في القدس
الأوابد التاريخية في القدس

الأوابد التاريخية في القدس

علي بدوان:
لم تهدأ حركة المستوطنين في فلسطيني المحتلة، في عملها اليومي، في أوسع هجمةٍ وأكبر اعتداءٍ مقصودٍ ومنظمٍ يجري في فلسطين منذ سنواتٍ طويلة، ومعها جنودٌ من جيش الاحتلال “الإسرائيلي” المدججين بالأسلحة، ورجال الشرطة (البوليس الصهيوني) وعناصر بلدية القدس المحتلة، المزودين بتعليماتٍ صارمةٍ وقاسيةٍ من قِبل جيش الاحتلال منذ وقتٍ ليس بالقصير، بل ما زالت تعمل من أجل تكريس الاحتلال وإدامته.
إذًا، حركة المستوطنين تقوم بكل ما أوتيت من جهد من أجل تنفيذ المساس بمقابر الشهداء، وحرمتها، وشطبها وإزالتها، وتجريفها وإنهاء وجودها، فهي شاهدٌ على وجود الفلسطينيين، ودليلٌ على عمق تاريخهم وأصالة انتمائهم، وهي رموز عقيدة راسخةٍ وشواهد وطنٍ عتيدٍ، تُثير الشجون وتحرِّك المشاعر، وتعمِّق الانتماء وترسِّخ الوجود في فلسطين.
إن مثوى الشهداء في فلسطين يتعرض للجرف وللاقتلاع اليومي والدائم، كما هو الحال في (مقبرة مأن الله)، وفيها مثوى الصحابي (عبادة بن الصامت) في مدينة القدس. و(المقبرة اليوسفية الإسلامية)، و(مقبرتي باب الرحمة)، وبدأت اعتداءات عصابات المحتلين بهدم أسوارها، وزحفت نحو قبورها، وصادرت أرضها، ومنعت تمددها وأوقفت الدفن فيها، وأعلنت عن مخططاتها باستخدام أراضيها في المشاريع التهويدية، رغم أنها تعلم أن هذه المقابر تتبع وزارة الأوقاف الأردنية، التي تُشرف عليها وتنظم العمل فيها، علمًا أنه يوجد في (المقبرة اليوسفية الإسلامية)، التي يزيد عمرها عن ستمائة عامٍ، مقابر لمئات الشهداء الأردنيين.
ولا يستعدي دولة الاحتلال “الإسرائيلي” العرب الفلسطينيين الأحياء فقط، وإن كانوا يقولون إنه لا يوجد فلسطيني جيدٌ إلا الفلسطيني الميت، ومع ذلك فإنهم يكرهون الفلسطينيين الأموات كما يكرهون الأحياء، ويحاربون الأموات كما يحاربون الأحياء، ويهدمون القبور كما يهدمون البيوت، ويجرفون المقابر كما يجرفون كروم العنب وأشجار الزيتون، ويدمرون الشواهد كما يشطبون أسماء المدن والبلدات العربية، وينكرون وجود الأجداد والأصول العربية والتاريخ، والأوابد العربية، كما يزوّرون التاريخ العربي والفلسطيني، ويشوهون الحقائق، مع ليِّ الواقع القائم، والأموات العرب والمسلمين المدفونين في أرض فلسطين.
إن التمسك بالحقائق، والوقائع الراسخة والدامغة ومثوى الشهداء يستفز، ويزعج الاحتلال “الإسرائيلي”، ويخرجه عن طوره عبر إطلاق أسماء الشوارع والمدارس، والمساجد والأوابد التاريخية، بشكلٍ يجعل منه يُطبق السماء بالطارق، وفلسطين حية، والتي باتت تاريخًا راسخًا لا يموت، بل أصبحت قوية قوة الدفع والمكان.
إن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” تتطلع لإخراج الفلسطينيين من أرضهم الوطنية، وطردهم من ديارهم، ومنع عودتهم إليها أو مشاركتهم فيها، وتعمل أيضًا على هدم المقامات التي تحمل اسمهم وتحفظ ذكرهم، فحلمهم الدائم أن يجعلوا فلسطين خالصةً لهم وحدهم، فلا يشاركهم فيها أحدٌ من الفلسطينيين، سواء كانوا أحياءً فوق الأرض أو أمواتًا تحتها، فهم يحسبون حساب الشهداء ويخافون منهم أكثر، وكأنهم ما زالوا أحياءً يتصدون لهم، وأبطالًا يقاتلونهم، وأشباحًا يطاردونهم، فهم كانوا وما زالوا يبعثون فيهم القلق، ويزرعون في نفوسهم الخوف، ويهددون وجودهم، ويستهدفون هويتهم المزورة وتاريخهم الكاذب ليل نهار.
وختامًا، إن العدوان “الإسرائيلي” باعتدائه على المقامات الإسلامية، يريد خلع جذور العرب والمسلمين من المدينة المقدسة، ليبني مكان ما يسمونه بـ”الحدائق الوطنية”، ضمن مشروعاتٍ كبيرة لتوسيع حدود مدينة القدس على حساب حقوق سكانها الفلسطينيين، ولا يرى الاحتلال مانعا في انتهاكه لكرامة الأموات ومساسه المهين بمكانة الشهداء ورمزيتهم.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap