الجمعة 20 مايو 2022 م - ١٨ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / ارتباط الإصلاح السياسي بتطوير السياسات العامة وتحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية (1ـ2)
ارتباط الإصلاح السياسي بتطوير السياسات العامة وتحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية (1ـ2)

ارتباط الإصلاح السياسي بتطوير السياسات العامة وتحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية (1ـ2)

محمد بن سعيد الفطيسي:
يقول شكسبير “دع الحمقى يتنافسون حول أشكال الحكومات، فإن أفضلها إدارة هو أفضلها قاطبة”(1 ) كما يقول ديفيد أوزبورن حول نفس السياق في كتاب إعادة اختراع الحكومة “إن البيروقراطيات الهرمية والمركزية المصممة في ثلاثينيات القرن الـ20 وأربعينياته لم تعد تستطيع ببساطة أن تعمل جيدا في مجتمع التسعينيات[فكيف بنا ونحن نعيش في الألفية الثالثة من القرن الـ21] فهي أي الحكومات البيروقراطية تشبه سفن الرفاهية الباذخة التي تقوم برحلات عبر المحيط في عصر النفاثات الأسرع من الصوت، كبيرة وبطيئة الحركة، وثقيلة وباهظة التكاليف ومن الصعب جدا جعلها تغير اتجاهها، ولذا فإن أنواعا جديدة من المؤسسات العامة آخذة في الحلول مكانها بالتدرج”(2 )
فما هو تعريف الإصلاح السياسي، وما هي أبرز أهدافه؟ ما هي إذا أفضل أنواع الحكومات التي يمكن أن تتمتع بالصفات والمواصفات التي تتناسب ومتطلبات التنمية وتحقيق الديموقراطية في العقود القادمة؟ ما هي القياسات التاريخية التي يمكن أن تساعدنا على فهم طبيعة القوى التي ستشكل الأنظمة السياسية والسياسات الحكومية وأنشطة الحكم في القرن الـ21؟
من خلال الكلمات السابقة يتضح أن أفضل أشكال الحكومات التي يمكن أن تسهم في المحافظة على الأنظمة السياسية في العقود القادمة بشكل آمن ومستقر بعيدا عن أشكال التوتر والسخط والامتعاض، وبحسب العديد من الدراسات المعاصرة هي التي ستنجح في مواكبة البيئة الداخلية والدولية المعاصرة من الناحية الإدارية وتقليص البيروقراطية باتجاه المرونة الإدارية من حيث الكم والكيف، أو من حيث إدارة المدخلات والمخرجات وهي مجموعة الأنشطة والبرامج والسياسات الحكومية أو ما يطلق عليها بالسياسات العامة، يضاف إلى ذلك إدارة الأزمات والتحديات المختلفة التي يمكن أن تواجه تلك الحكومة، وحتى يتمكن هذا النظام من صناعة وبناء حكومة تحقق له ذلك بشكل صحيح وعملي فإنه بحاجة إلى دوام واستمرار ما يطلق عليه بالإصلاح السياسي.
هذه القياسات التاريخية تساعدنا على فهم طبيعة بعض القوى التي ستشكل الأنظمة السياسية والسياسات الحكومية وتوجُّهاتها وتطوراتها وأنشطة الحكم في القرن الـ21, وكما أشار إلى ذلك الاقتصادي شارلس كندلبيرجر في كتابه المركزية ضد التعددية والصادر في العام 1996م بقوله “إن مسألة الكيفية التي سيتغير بها الخط في اتجاه المركز أو بعيدا عنه ربما تظل غير محلولة لفترات طويلة، وهي فترات ستكون مشحونة بالتوتر”(3 ) فإذا كانت الدولة ـ الأمة قد أصبحت أصغر من أن تطيق التعامل مع المشاكل الكبرى في الحياة وأكبر من أن تنهمك في المشاكل الصغرى فقد لا نجد مركزية أو لا مركزية, بل انتشار مشتت لأنشطة إدارة والسياسات العامة والإدارة في اتجاهات كثيرة في الوقت نفسه.
على ضوء ذلك وقبل الربط بين الإصلاح السياسي وتطور السياسات العامة وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها، وجدت من الضروري تعريف كل مفهوم ولو بشكل موجز ومبسط، مع التأكيد على عدم وجود تعريف متفق عليه لجميع تلك المفاهيم والمصطلحات سابقة الذكر.
تعرف موسوعة السياسة الإصلاح بأنه “تعديل أو تطوير غير جـذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية، دون المساس بها. والإصلاح بذلك الشكل يقع ـ خلافا للثورة ـ فهو لـيس سـوى تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم دون المساس بأسس هذا النظام”(4 ) أو هو” تدبير يكون من شأنه دعم الشرعية السياسية، وتطـوير الإطـار المؤسسي ودعم الاستقرار السياسي ( 5) في مجتمع ما”(6 )
هناك أيضا من يرى أن الإصلاح السياسي هو “عملية تعديل وتطوير جذريـة فـي شـكل الحكـم والعلاقات الاجتماعية داخل دولة ما في إطار النظام القائم وبالوسائل التي يتيحهـا واسـتنادا لمفهـوم التدرج” (7 ) وشخصيا أميل إلى هذا الرأي الأخير، رغم أن الإصلاح السياسي عملية معقدة وصعبة وتحتاج إلى مزيد من ضبط المفهوم و”البعد عن التوظيف السياسي أو التسطيح الخطابي الرامي للالتفاف حول المطالب الملحة لعملية الإصلاح، فإن برنامج الإصلاح ينبغي أن يتضمن إصلاحا جوهريا في نظام الحكم وتفعيل صوت الشعب”(8 )
إذًا ليس بالضرورة أن يقوم ذلك الإصلاح بنسف أو هدم النظام السياسي القائم بشكل جذري وكلِّي من أصوله وبطريقة مباشرة أو عبر أسلوب المواجهة ليتحقق شكل ومضمون الإصلاح السياسي المطلوب، بل هو أقرب إلى مساعي التعديل والتطوير الجذري المتدرج في أهدافه ومضمونه، بما يحقق أهداف الإصلاح الكلي والشامل في مختلف الجوانب، خصوصا تلك المتعلقة بتحقيق الديموقراطية.

ليس “هناك وصفة واحدة جاهزة للإصلاح السياسي، إذ تأخذ كل حالـة طابعـا أيديولوجيا يرتبط بطبيعة كل مجتمع وتركيبته الاجتماعية، السياسية والثقافية، فإن هناك ملامح عامة للمؤسسات والأدوار والأبنية والسلوكيات والتفاعلات والقِيم التي يمكن أن تنتج حالة ديمقراطية”(9 ) بالتالي فإن الإصلاح السياسي الصحيح هو ذلك الإصلاح القائم على التدرج الجذري في تغير بنية النظام السياسي أو المنظومة الحكومية والتي تتكون ـ على سبيل المثال ـ من التشريعات والمؤسسـات والأبنيـة، الأطـر والآليـات، الأداء والسلوكيات، والثقافة السياسية السائدة.
شكل ومضمون الإصلاح السياسي الممكن في دولة ما قد لا يتناسب مع دولة أخرى، على اعتبار أن بعض أنظمة الحكم في تلك الدول أكثر قابلية وسرعة لاستيعاب الإصلاح السياسي المطلوب، بينما تحتاج بعض الدول إلى فترة أطول بسبب عدم قابلية أنظمتها السياسية لبعض أشكال الإصلاح السياسي، كما أن هناك دولا ثالثة تأسست أصلا على قاعدة قوية من الإصلاحات السياسية عبر فترات طويلة من الزمن حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم كما هو حال بعض الدول الأوروبية.
بينما ما زالت دول أخرى تأخذ بتلك الإصلاحات من خلال الضغوط والإملاءات الخارجية أو بسبب التغيرات في الوعي السياسي الداخلي، الأمر الذي يفرض عليها قبول بعض أشكال تلك الإصلاحات تجنبا للدخول في صدام مع الداخل، لذا “يمكن النظر إلى الإصلاح السياسي في إطار اهتمامه بتحسين كفاءة النظام على أنه عملية محايدة قيميا. بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يكون على النمط الغربي [وهو ما أشرنا إليه سابقا] ولكن عملية الإصلاح السياسي في عدها التحديثي المؤسسي، لا بُدَّ أن تزيد من فعالية النظام من خلال مؤسسات تزيد من مشاركة الأفراد وتوسيع حقوقهم”( 10)
في الجزء الباقي من المقال والذي سينشر الأسبوع القادم بإذن الله سنجيب عن الأسئلة الآتية: ما هو تعريف السياسات العامة؟ وما هو الرابط بين الإصلاح السياسي وتطور السياسات العامة وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها؟ ماهي أفضل الإدارات السياسية العالمية المعاصرة التي نجحت في التنسيق والربط بين متطلبات الإصلاح السياسي وتوجُّهات الإدارة العامة؟
ـــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ – عبد الكريم درويش وآخرون – أصول الإدارة العامة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، بدون ط/ 1977
2 ـ ديفيد أوزبورن وتيد جايبلر، إعادة اختراع الحكومة-كيف تحول روح المغامرة إلى القطاع العام – ترجمة: محمد توفيق البجيري، مؤسسة العبيكان، ط1/2010م
3 ـ – شارلس كيندلبيرجر، المركزية ضد التعددية، كوبنهاجن: مطبعة مدرسة كوبنهاجن التجارية، بدون ط/ 1996م
4 ـ عبد الوهاب كيالي، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسـات والنشـر، بيروت/لبنان، ج(1)، ط2/1985م
5ـ لماذا التركيز على الاستقرار السياسي؟ لأن “الاستقرار السياسي، هو محصلة أداء النظام في مجالات الشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وقدرة مؤسسات النظام السياسي على الاستجابة للمتغيرات المحيطة بالبيئة المحلية، والبيئة الخارجية، من خلال التغيير التدريجي، والمنظم، الذي يسهم في حفظ النظام من اهتزاز شرعيته، وتدني فعاليته” المرجع: عامر ياسين خضيرات، الطبقة الوسطى وأثرها على الاستقرار السياسي في الأردن(1990-2006)، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، الجامعة المستنصرية/ العراق، ع (38)، 2012
6 ـ كمال المنوفي ويوسف الصواني، الديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي”، المركـز العـالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر. ليبيا، سنة 2006
7 ـ أمين المشاقبة، شملان العيسى “الإصلاح السياسي في دول الخليج”، في مصطفى كمال السيد، الإصلاح السياسي فـي الوطن العربي”، القاهرة: مركز دراسات وبحوث الدول النامية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، سنة 2006
8 ـ نوزاد عبد الرحمان الهيتي، “الحكم الصالح في الوطن العربي”، “مجلة علوم إنسانية”، السنة الرابعة العدد 29 يوليو-2006، رابط النسخة الإلكترونية: http://www.uluminsania.net
9 ـ وثيقة الإسكندرية”، مؤتمر قضايا الإصلاح العربي، الإسكندرية بين 12 و14 مارس 2003 نقلا عن د. مسلم بابا عربي، محاولة في تأصيل مفهوم الإصلاح السياسي، مجلة دفاتر السياسة والقانون، ع(9)، يونيو/ 2013م
10 ـ عن د. مسلم بابا عربي، محاولة في تأصيل مفهوم الإصلاح السياسي، مجلة دفاتر السياسة والقانون، ع(9)، يونيو/ 2013م

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap