الأحد 3 يوليو 2022 م - ٤ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / تأثير القوة الناعمة وأدواتها في مستقبل العلاقة بين الأفراد والحكومات (1ـ2)
تأثير القوة الناعمة وأدواتها في مستقبل العلاقة بين الأفراد والحكومات (1ـ2)

تأثير القوة الناعمة وأدواتها في مستقبل العلاقة بين الأفراد والحكومات (1ـ2)

محمد بن سعيد الفطيسي:
من خلال العديد من المؤشرات والدلائل اليومية من البيئة الواقعية والافتراضية، أستطيع أن أقول: إن الحكومات في مختلف أنحاء العالم وباختلاف أنظمتها السياسية التي ستفشل في إدارة مؤسسات الحكم (1 ) وتحسين مستوى أداء أجهزتها الحكومية عبر استغلال وسائل الإعلام عموما وأدوات وتقنيات البيئة الرقمية المعاصرة على وجه الخصوص لا شك عندي أنها ستخفق وتتراجع قوتها ومكانتها وثقة المواطنين بها بشكل كبير للغاية في البيئة الواقعية.
وكما يقول ألفن توفلر والذي يعد من أبرز المفكرين الأميركيين في مجال دراسات المستقبل والاستشراف إن “تكنولوجيا المعلومات أصبحت هي العامل الحاسم في تحديد مصير عالمنا هذا دوله وأفراده”(2 ) وقد شاهدنا خلال السنوات الماضية من القرن الـ21 كيف تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني من صناعة بيئة سياسية غير تقليدية كان لها الدور الواضح في تغيير مختلف أشكال وأنماط العلاقات بين الحكومة وفئات المجتمع الكبير (عموم سكان الدولة)، خصوصا في مجالات الحريات والحقوق المدنية والسياسية والديموقراطية.
حيث تمكنت مجموعة مكونات الإعلام التقليدي، بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني وهي مكونات ما يطلق عليه بالإعلام الجديد( 3) من تغيير العديد من المفاهيم الاجتماعية والثقافة السياسية المعاصرة وأدوات الحكم وبناء الهوية الوطنية وجوانب الإصلاح السياسي، وعلى ما يبدو فإن العديد من أدوات تمكين الدول والحكومات أو أسباب إخفاقها خلال الفترة الزمنية القائمة والقادمة ستتحكم بكثير من مواردها ومصادرها الخاصة بالقوة والسلطة البيئة الافتراضية.
لعل المثال الحي الذي نشاهده بشكل متواصل وشبه يومي على ذلك هو تأثير مستخدمي حسابات تويتر أو يوتيوب أو الفيس بوك وإنستجرام على سبيل المثال، خصوصا النخب الإعلامية ومشاهير الـ”سوشيال ميديا” وحتى الأفراد العاديين من غير المشاهير من خلال مساحاتهم المكتوبة أو المسموعة أو المرئية على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف تمكن أصحاب تلك الحسابات من الأفراد العاديين من التأثير في قرارات حكوماتهم الاقتصادية والسياسية الداخلية منها والخارجية.
بالإضافة إلى أفرادها لمساحة كبيرة من الرقابة المجتمعية الهادفة لكشف بعض جوانب الفساد أو الإخفاق والخلل في البرامج الحكومية خصوصا تلك المتعلقة منها بالتنمية الاقتصادية وإدارة الحكم. “ففي العام 2001م على سبيل المثال فقدت الحكومة الهندية عدة وزراء وكادت تنهار بعد أن ظهرت تقارير عن الفساد على موقع إخباري بالشبكة العنكبوتية، واتضح أن الفضائح التي كان يمكن احتواؤها ذات يوم في نيودلهي صارت السيطرة عليها مستحيلة، حيث لم يقتصر الأمر على قيام الموقع Tehelka.com بكشف الفساد الباطن بين العسكريين الهنود، بل ساعد ذلك الموقع على تأجيج النزاع بالعمل كلوحة نشرات إخبارية للقراء والساسة كي يعبروا عن آرائهم”( 4)
حيث بات هناك مفكرون يتحدثون اليوم عما يسمونه بالديمقراطية نصف المباشرة أو المباشرة “حيث يشارك الجميع في القرارات وهم يرون أن العالم في ظل الثورة الرقمية سيتجه إلى أسلوب صناعة القرار من خلال الحاسب الآلي، وأن التصويت البرلماني سيكون برلمان دولة أو برلمان عالم ولن يقتصر على برلمانات ممثلين الشعب”( 5) من أبرز الأمثلة على ذلك تمكين المغتربين الغانيين من التأثير في السياسة الداخلية لبلدهم في انتخابات عام 2000 ومن خلال وسائل ديموقراطية تمثلت في البريد الإلكتروني والهواتف النقالة تمكن المغتربون الغانيون بالولايات المتحدة الأميركية من التأثير في الانتخابات وتغيير حكومتهم”(6 ) انتخابات مجلس الأمة في الكويت هي الأخرى كانت وما زالت مثالا حيا على ذلك حيث “الإقبال الشديد على استخدام تويتر كوسيلة أو أداة رئيسية للتواصل مما جعل له دورا كثيرا في عملية المفاضلة بين المرشحين وتحديد القرار النهائي في عملية التصويت، الأمر الذي دفع البعض إلى تسمية الانتخابات البرلمانية في الكويت (بانتخابات تويترية)”( 7)
ـــــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ – لمفهوم إدارة الحكم أو إدارة مؤسسات الحكم العديد من التعريفات، ولكن بشكل موجز ومبسط يمكن القول إن إدارة الحكم هو إدارة العلاقة بين الحكومة من جهة والسكان من جهة أخرى.
2 ـ – ألفن توفلر، إنشاء حضارة جديدة-سياسة الموجة الجديدة-اتحاد الكتاب العرب 1998م، ص 82، نقلا عن: د. فهد العرابي الحارثي، المعرفة قوة والحرية أيضا، مركز اسبار للدراسات والبحوث، المملكة العربية السعودية/ الرياض، ط1/ 2010م
3 ـ – ظهرت وسائل الإعلام الجديد كمصطلح واسع النطاق في الجزء الأخير من القرن العشرين ليشمل ” دمج وسائل الإعلام التقليدية مثل الأفلام والصور والموسيقى والكلمة المنطوقة والمطبوعة، مع القدرة التفاعلية للحاسوب وتكنولوجيا الاتصالات، وتطبيقات الثورة العلمية التي شهدها مجال الاتصال والإعلام” المرجع: محمود عزت اللحام، صلاح، مروي عصام، 2015، “الاتجاهات الإعلامية الحديثة في الصحافة الدولية، عمان، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع ص17، نقلا عن : الذهب عفان، الإعلام الجديد ومدى تأثيره في المجتمع، المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، تاريخ النشر 17 سبتمبر2021م، تاريخ الدخول 26 يناير 2022، على الرابط: https://democraticac.de/?p=77309
4 ـ -محمد بن سعيد الفطيسي، الدولة المطمئنة في الألفية الثالثة (ثنائية صناعة الأمن الوطني في زمن الفوضى الخلاقة) مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب/ سلطنة عمان، ط1/2015م
5 ـ – محمد بن سعيد الفطيسي، الدولة المطمئنة في الألفية الثالثة، مرجع سابق
6 ـ -جوزيف س.ناي، القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، تعريب: محمد توفيق البجيرمي، العبيكان للنشر، الرياض/ السعودية، ط1/ 2007
7 ـ – د. سعود عبد العزيز بوشهري، دور وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على صنع القرار بدولة الكويت، مجلة البحوث المالية والتجارية، كلية التجارة، جامعة بورسعيد/ مصر، م(22)، ع(2) ابريل 2021

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap