الخميس 18 أغسطس 2022 م - ٢٠ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: العمل عن بعد وخيار الاستدامة في معالجة الازدحام المروري بمسقط
في العمق: العمل عن بعد وخيار الاستدامة في معالجة الازدحام المروري بمسقط

في العمق: العمل عن بعد وخيار الاستدامة في معالجة الازدحام المروري بمسقط

د. رجب بن علي العويسي:
ينطلق طرحنا للموضوع من فرضية التأثير الإيجابي الذي يمكن أن يتيحه خيار (العمل عن بعد) في ظل جملة الخيارات والبدائل المجربة في أثناء جائحة كورونا (كوفيد19) والمطروحة عالميا في الحد من الازدحام المروري، في الوقت الذي باتت تمثل فيه مشكلة الازدحام المروري أحد الهواجس اليومية التي يعيشها القاطنون والعاملون في محافظة مسقط خصوصا، وما يرتبط بالازدحام اليومي من مشكلات نفسية وصحية وسلوكية على السائق أو مستخدم المركبة لتصل إلى بيئة العمل، وفي الوقت الذي أدركت فيه مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية جدية البحث عن بدائل وخيارات يمكن تنفيذها على مراحل مختلفة للحدِّ من تأثير الازدحام المروري، وما يتم التصريح به في الإعلام المحلي والمنصَّات التواصلية وعلى ألسنة بعض المسؤولين الحكوميين من توجُّهات قادمة في تفعيل العمل ببعض البدائل المطروحة، سواء على نطاق شبكات الطرق أو النقل العام، أو توفير مترو أنفاق أو قطار أو غيره، ومع ما تُمثِّله هذه الموجهات من مرحلة أساسية مهمة في البناء عليها في سبيل إعادة تطوير وتحسين منظومة الطرق والنقل بمحافظة مسقط للوصول إلى حلول أكثر استدامة وقابلة للتنفيذ في معالجة من الازدحام المروري.
على أن ما يظهر من زيادة في النمو السكاني في مسقط في السنوات الأخيرة والتوقعات بأن تستمر هذه الزيادة بوتيرة متسارعة في العشرين سنة القادمة “عمان 2040″، وما تشير إليه إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات من أن الارتفاع في استخدام المركبات الخاصة بلغ 97%، والذي ارتبط بالثقافة المجتمعية والنظرة إلى المركبة الخاصة باعتباره نوعا من الرفاه الاجتماعي، ناهيك عن محدودية بدائل وسائل النقل العام ومستوى كفاءتها وكفايتها في توفير بيئة نقل محاكية للخصوصية المتحققة في المركبات الخاصة، كل ذلك وغيره يؤكد أهمية التفكير الجمعي في تعزيز كفاءة البنية الأساسية للطرق في محافظة مسقط برفع مستوياتها الاستيعابية من جهة، وإعادة هيكلة المسارات بكل تفاصيلها، خصوصا بعد تحديد مناطق الازدحام المروري في الطرق الرئيسية الثلاثة بمسقط لتحديد الأسباب والمعطيات، وتحليل الأبعاد المكانية والتخطيطية بما يعزز من مستوى الانسيابية والمرونة فيها، وتبقى التوجيهات الكريمة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم والتي تم الإعلان عنها في الرابع والعشرين من مارس 2022 والقاضية ضمن جملة من المشاريع المضافة للخطة الخمسية العاشرة 2021- 2025 بتوسعة طريق مسقط السريع وتحسين انسيابية مسارات ربط دوار برج الصحوة وتقاطعات منطقة الموالح بالسيب، منطلقا لرفع سقف الجهود الوطنية، والتفكير في حلول مبتكرة وقابلة للتطبيق السريع على أرض الواقع للحدِّ من الازدحام المروري.
ومع ما أشرنا إليه سلفا من محورية التركيز على البنية الأساسية الصلبة كأولوية في إدارة ملف الازدحام المروري، سواء من حيث تطوير وتحسين وإعادة إنتاج شبكات الطرق والنقل العام وبدائل النقل الأخرى، إلا أنها قد لا تكون العصا السحرية في معالجة مشكلة الازدحام المروري، فإن تحقيق التكاملية بهدف الاستدامة في حلحلة الازدحام المروري، وتفعيلا لمدخل المنظومية في قراءة هذا الملف (مدخلاته وعملياته ومخرجاته) وأهمية دراسة الأبعاد الحالية والمستقبلية والمؤثرات المرتبطة بارتفاع سقف تأثير الحالة مستقبلا على المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية والعمرانية لمحافظة مسقط، يستدعي اليوم دخول البنية الأساسية الناعمة بما تحمله من تشريعات وقوانين وإجراءات وقرارات ومبادرات نوعية وتوجهات، كشريك استراتيجي في المعالجة، ومحطة قوة في فاعلية العلاج.
لقد أفصحت جائحة كورونا (كوفيد19) وعلى مدى السنتين الماضيتين عن الكثير من المكاسب في إدارة الازدحام المروري، واكتسب خيار العمل عن بُعد أهمية كبيرة على مستوى العالم في الحدِّ من تأثير الجائحة، وعلى مستوى السلطنة فقد حاز هذا الخيار على اهتمام اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع فيروس “كوفيد19” حيث حظي على مساحات واسعة من التطبيق لفترات متعاقبة حسب شدة الحالة الوبائية، وأثبت نجاعته في تحقيق أهدافه في تلك الفترة، وأصبح ينظر إليه كأحد أهم الحلول الوقائية والتدابير الاحترازية للحدِّ من انتشار الفيروس والتقليل من عدد الإصابات، وقد شهدت شوارع محافظ مسقط في الفترة التي نشط فيها الفيروس انسيابية تامة في مختلف الشوارع الرئيسية الثلاثة (شارع مسقط السريع، وشارع السلطان قابوس، وشارع 18 نوفمبر) في أوقات الذروة الصباحية والمسائية، الأمر الذي كان له أثره أيضا في تراجع عدد المركبات في الطرقات الرئيسية في محافظة مسقط، وانعدام الازدحام المروري في أثناء تطبيق هذا الخيار.
وانطلاقا من أن الازدحام المروي في محافظة مسقط في فترات الذروة الصباحية في الأساس نتاج لتوجُّه الموظفين إلى مقار أعمالهم، وكذلك الحال في فترت الذروة المسائية مرتبط بعودة الموظفين من مقار أعمالهم، فإن البحث في إمكانية التعامل مع هذا الخيار في حل مشكلة الازدحام المروري في محافظة مسقط، الطريق الذي يجب أن يجد له مساحة واسعة في أروقة وزارة العمل باعتبارها المعنية عن هذا القطاع، وتبني الاستمرار في خيار (العمل عن بُعد) خصوصا مع التوقع بزيادة الازدحام المروري في شهر رمصان المبارك، وعندها يصبح العمل عن بُعد أهم الخيارات القابلة للتطبيق في الحالات العادية والطارئة والظروف الاستثنائية أو المناسبات الدينية (شهر رمضان مثلا)، وبالتالي التعامل مع هذا الخيار باعتباره أحد أهم الخيارات الناعمة التي تسهم جنبا إلى جنب مع جهود مؤسسات الدولة التنفيذية المعنية بالطرق والنقل العام والتخطيط العمراني في إيجاد حلول جذرية للازدحام المروري.
على أن خفض درجة القلق والخوف لدى البعض من تطبيق هذا الخيار والمبرر بحجم الفاقد الناتج من تطبيقه في منظومة الجهاز الإداري للدولة وما قد يشكله من دعوة للتسيب الوظيفي وعدم الالتزام، في ظل فراغ الضوابط والتشريعات، دعوة إلى حوكمة هذا الخيار وإعادة إنتاجه بطريقة أكثر مهنية عبر توفير جملة من الموجهات والمرتكزات التشريعية والقانونية والضبطية وتقنين العمل به ووضع الضوابط والمرتكزات المحققة لنجاحه، وفق مراجعات مستفيضة، والمزيد من التشخيص والتحليل والتصحيح، وقراءة التفاصيل النوعية التي تصنع منه عاملا مساندا للإنتاجية، فمن جهة سيسهم هذا الخيار في رفع مستوى الإنتاجية الوظيفية في ظل مراعاة الأبعاد النفسية والصحية والاجتماعية والفكرية والفسيولوجية للموظف (السائق أو مستخدم الطريق) بما ينعكس إيجابا على شخصيته في بيئة العمل بعد وقت الذروة الصباحية أو المنزل بعد وقت الذروة المسائية.
إن العمل عن بُعد بذلك محطة لإعادة هندسة واقع الطريق وإنتاج التغيير فيه، والتقاط الأنفاس لعمل أكثر التزاما ورفعا للإنتاجية والاستفادة القصوى من الممكنات والفرص الاستيعابية والمهارات الشخصية للموظف في تعزيز قدرته الأدائية، وبالتالي إعادة قراءة مفهوم الإنتاجية وكيفية قياسها في منظومة الجهاز الإداري للدولة، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من الصورة السلبية القاتمة التي يقرأ خلالها البعض هذا الخيار، بالإضافة إلى وضع بعض الضوابط كمحددات لتطبيق هذا الخيار، كأن تكون عملية تطبيق هذا الخيار في نطاق محافظة مسقط فقط دون غيرها؛ باعتبارها الحالة الأكثر تضررا من الازدحام المروري من بين محافظات السلطنة الأخرى، وضمن هذا المسار أيضا يمكن النظر إلى مراعاة جملة من المحددات من بينها، موقع سكن الموظف كأن تكون الأولوية للقادمين من ولاية السيب باتجاه مسقط الداخل وليس العكس، وتحدد في بعض الوظائف الفنية والتي لا ترتبط بمراجعين أو تعرقل مصالح المجتمع، كما تأخذ في الاعتبار الظروف الصحية أو غيرها من الأمور، بحيث يكون الناتج المتحقق من هذه المعادلة رقما صعبا في الحدِّ من الازدحام المروري.
أخيرا، يبقى طرح خيار ـ العمل عن بُعد ـ محطة للتفكير الجمعي خارج الصندوق للحدِّ من الازدحام المروري، وهو أمر لا يغني بلا شك عن إعادة تأهيل شبكات الطرق والنقل العام وتحسينها وتطويرها، وتنفيذ خيارات وبدائل نقل جديدة لها دورها وحضورها في المشهد العالمي، وهو ما يعني أنه لا يجب أن تقف جهود قطاعات الدولة مؤسساتها عند حد معين أو جهة واحدة أو مسار واحد، كما أنه هناك ليس من خيار سحري يجب الاعتماد الكلي عليه، بل هناك تعددية في الخيارات وتنوع في البدائل، الأمر الذي يعطي مساحة التطبيق، جدية أكبر في الإسراع في تبنِّي معالجات مقنعة لهذه المشكلة، ويقلل من هاجس التحجج بالأعذار والتبريرات المتعلقة بالموازنة، أو تدني مستويات التنسيق والتكامل بينها في تأطير مسار محدد في معالجة الازدحام المروري.
إنها دعوة إلى التكاملية الجادة في التثمير في الخيارات المتاحة، لتعمل القطاعات مجتمعة بروح تشاركية واعدة كل في مجال اختصاصاته ومسؤولياته في تحقيق نتاج واضح على الأرض يعزز من انسيابية الطريق ويفتح المجال لمبتكرات قادمة في معالجة الازدحام المروري… فهل ستقرأ مؤسسات الدولة ـ من غير تلك المعنية بالطرق والنقل العام ـ في تعظيم القيمة التنافسية للبنية الأساسية الناعمة والتي يشكل (العمل عن بُعد) جزءا منها بما فيها من قوانين وتشريعات وضوابط ومبادرات ونماذج، مرحلة الجدية للإسهام الفاعل في معالجة مشكلة الازدحام المروري؟ هذا ما نأمل أن يكون.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap