الجمعة 1 يوليو 2022 م - ٢ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / طفل بين الموت والأمومة

طفل بين الموت والأمومة

محمود عدلي الشريف:
أمة الإسلام .. إننا نقف اليوم في محطة من محطات مسيرتنا «استثمر صومك» خلال هذا الشهر المبارك، تخطف القلوب وتشعل المشاعر وتلهب الأحاسيس، وقد تدمع الأعين والحركات تسكن، وتسكت الكلمات، لما لها من قوة في معناها، وقسوة في صداها، وابتلاء في مداها، أم حقيقة ترك ابنها لأم مزيفة مقابل أن يعيش ولدها، وإن لم تفعل شق وليدها نصفين، يا لها من محنة شديدة على قلب تلك الأم الرؤوم، يا لها من لحظة عصيبة تمر على تلك الأم الحنون، يا له من اختيار قاس واختبار صعب عليها، فما هي قصتها؟.
هاتيكم أحبابي قصة هذه الأم المضحية المخلصة، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُدْيَةَ) (صحيح البخاري 8/‏ 156، ومسلم برقم 6387)، وفي (مستخرج أبي عوانة، ط: الجامعة الإسلامية 14/‏ 52):(عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: أنّ امرأتين أتتا داود ـ عليه السلام ـ أَكل أَحدَ ابنيهما الذئبُ تختصمان في الباقي، فقضى للكبرى، فلمّا خرجتا على سليمان ـ عليه السلام ـ قال: كيف قضى بينكما؟ فأخبرتاه. فقال: ائتوني بالسكين، قال أبو هريرة: فأول من سمعته يقول: السكين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كنّا نسمّيه المدية، فقالت الصغرى؟ أتشقّه؟ قال: نعم، قالت: لا تشقّه، ارفعه إليها، وقالت الكبرى: شقه بيننا، فقضى به سليمان للصغرى وقال: لو كان ابنك لم ترضي أن نشقّه) (مسند أحمد، ت: شاكر 8/‏ 326)، وأحيانًا تكون جالسًا وحدك لا لك ولا عليك، ثم تجد نفسك في دائرة مفرغة تدور فيها مجبرًا بلا ذنب ولا خطيئة، وينتابك حزن وهزيمة وترى الدنيا من ثقب إبرة ومن منظار أسود، ويراودك سؤال لا ينقطع عن فكرك ألا وهو: ما الذي أنا فيه الآن؟ وما الذي فعلت ليحصل لي هذا؟ وما الذي جاء بي إلا هنا؟ تجد أناسًا يدورون بك بالمصائب في مكان سحيق ـ نعوذ بالله من هذاـ وهذا ما حدث لهاتين المرأتين اللتين جاء ذكرهما في القصة، جاء الذئب وأخذ ابن الكبرى، ولكنها لم ترضى أن يأكل الذئب ابنها وتترك المرأة الصغرى في حالها هي وابنها، ولكنا أبي إلا أن تلقي ببلوتها على وجه المرأة الصغرى، ولم تستلم وصارعت لتحقق هذا الافتراء حتى وصل الأمر إلى القضاء، ولم تكتفي بافترائها، بل أقنعت نبي الله داود ـ عليه السلام ـ أن الولد لها ـ على الرغم من أنه ليس ابنها، (قَالَ الْكرْمَانِي: فِي هَذَا التحاكم خلاص الْكُبْرَى من تلبسها بِالْبَاطِلِ ووباله فِي الْآخِرَة، وخلاص الصُّغْرَى من ألم فِرَاق وَلَدهَا، وخلاص الابْن من الْقَتْل) (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 16/‏ 17)، (قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِشَبَهٍ رَآهُ فِيهَا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَتِهِ تَرْجِيحُ الْكُبْرَى، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي يَدِهَا وَعَجَزَتْ الْأُخْرَى عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة، فَكَانَ ذَلِكَ مُرَجِّحًا فِي شَرْعِهِ) (حاشية السيوطي على سنن النسائي 8/‏ 235). سبحان الله! ادعت أن الولد لها وكادت لتأخذه، وبالفعل أخذته بحكم القضاء من أمه الحقيقية، يالله!! تخيلوا معي حال الأم الحقيقية وهي تفقد ابنها، وانتهت محاولة رجوعة بحكم نبي الله داود، ولكن لا تفقد الأمل ولا تقنط من رحمة الله، (وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ، وَالتَّنَكُّرَ عِنْدَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عِنْدَ مَوَاطِنِ الْحَقِّ، يُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهِ الذِّكْرَ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ تَخَلَّقَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ شَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعِبَادِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا؛ فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ مِنْ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ، وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ) (سبل السلام 2/‏ 570). وهذا ما تجلى واضحًا لهذه الأم التي أخذ ولدها لأم مزيفة، فلم تقطع الأمل، وسرعان ما جاءت الانفراجة والسعة فما أن خرجوا من عند نبي الله داود حتى لقيهما نبي الله سليمان فسألهما عن الحكم فأخبروه، ولكن بفراسته وسرعة بديهيته وذكاءه النبوي أدرك أن الولد ليس للكبرى، وهيئة المرأة الصغرى تحكي عن حزنها، ولسان حالها يستجير به، وكان (عمر سُلَيْمَان ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ كَانَ حينئذٍ أحد عشر سنة وَلم يكن يُوحى إِلَيْهِ، قَالُوا: اسْتَخْلَفَهُ دَاوُد وعمره كَانَ اثْنَي عشرَة سنة. وَكَانَ دَاوُد أَشد تعبداً من سُلَيْمَان). وَقَالَ النَّوَوِيّ: (اسْتدلَّ سُلَيْمَان ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ بشفقة الصُّغْرَى على أَنَّهَا أمه وَلَعَلَّ الْكُبْرَى أقرَّت بعد ذَلِك بِهِ للصغرى. وَاحْتَالَ سُلَيْمَانَ بِحِيلَة لَطِيفَة أَظْهَرَتْ مَا فِي نَفْس الْأَمْر، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا أَخْبَرَتَا سُلَيْمَان بِالْقِصَّةِ فَدَعَا بِالسِّكِّينِ لِيَشُقّهُ بَيْنهمَا، وَلَمْ يَعْزِم عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاطِن، وَإِنَّمَا أَرَادَ اِسْتِكْشَاف الْأَمْر. فَتَوَصَّلَ بِطَرِيقٍ مِنَ الْحِيلَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ بَاطِنَةِ الْقَضِيَّةِ، فَحَصَلَ مَقْصُودُهُ لِذَلِكَ؛ لِجَزَعِ الصُّغْرَى الدَّالّ عَلَى عَظِيم الشَّفَقَة، وَلَمْ يَلْتَفِت إِلَى إِقْرَارهَا بِقَوْلِهَا هُوَ اِبْن الْكُبْرَى؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا آثَرَتْ حَيَاته، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَةِ شَفَقَةِ الصُّغْرَى وَعَدَمِهَا فِي الْكُبْرَى ـ مَعَ مَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى صِدْقهَا ـ مَا هَجَمَ بِهِ عَلَى الْحُكْم لِلصُّغْرَى) (عمدة القاري شرح صحيح البخاري (23/‏ 263). (وفي هذا صورة من صور الأدب العالي الذي يوضح عدالة الحاكم وعاطفة الأمومة. قالت الصغرى هو ابنها أدركتها الشفقة والرحمة لأنه ابنها حقيقة، وليس للكبرى ولكن الكبرى لن تبال لأنه ابن غير هام لا يهمها أن يذهب كما ذهب ولدها الذي أكله الذئب، لأنه ليس ولدها فقضى به للصغرى بأي بينة؟ القرينة لأن كونها ترحم هذا الولد وتقول هو للكبرى ويبقى حيا وإن كان سيكون عند غيرها لكن بقاؤه حيا، ولو كان عند غيرها أهون من شقه نصفين فقضى به للصغرى) (شرح رياض الصالحين 6/‏ 632). ورجع الحق لأصحابه بعد يأس، ورجع الابن لأمه من غير بأس، ودلت هذه القصة أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى لا تتعلق بكبر سن ولا صغره، وقد يكون في أهل التقوى فِراسة دينيّةٌ، وتوسّماتٌ نورانيّةٌ، ودلت على جواز اِسْتِعْمَال الْحِيَل فِي الْأَحْكَام لِاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوق، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِمَزِيدِ الْفِطْنَة وَمُمَارَسَة الْأَحْوَال.
فيا من أخذ حقك أو ظلمت، ويامن بغير حق اتُهمت، اعلم أن النصر حليفك يتعقبك ويبحث عنك ليقابك، فإن الحق فِي جهة واحدة، فأبشر بنصر قريب، واستثمر صومك واستغفر ربك.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap