الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصدقات تنزّل الرحمات

الصدقات تنزّل الرحمات

محمود عدلي الشريف:
عباد الله.. إن الإنسان بين درجات ودركات، فإذا ما ازداد عزمه، وقويت همته، ترقى وارتقى بكثرة الطاعات درجة بعد درجة، فارتقى بالإسلام إلى الإيمان ومن الإيمان إلى الإحسان ومن الإحسان إلى التقوى ومن التقوى إلى الإخلاص ومن الإخلاص إلى الولاية حتى يكون عبد ربانيا، وعلى العكس إذا ما استسلم إلى هواه وتتبع خطوات شيطانه تدحرج نزولا من دركة إلي دركة أقل، يبدأ بالحديث القلبي وميل الخاطر، ثم يحقق ذلك بالعمل، ثم يزداد معصية حتى ينتقل من اللمم إلى الكبائر، ومن الفسوق إلى الفجور، حتى يكون (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة ـ ٧٧)، ونسأل الله تعالى أن نكون من الصنف الأول، فمن تدرج في العبودية واستبرأ لدينه وعرضه، أقبلت عليه الدنيا وهي راغمة، فـ(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ..الحديث) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 9/‏ 65).
ومن نال هذه الدرجات ذاق حلاوة الملذات، فما ضره شيء من متاعب الدنيا وهمومها، وسخر الله له ما في هذ الكون لخدمته ولتسهيل مهمته، فهو مشغول في عبادته والله يشمله بعنايته، وفي القصة التالية الواردة في حديث شريف عن الصادق المعصوم لوات ربي وسلامه عليه أكبر دليل على ذلك، ففي صحيح مسلم (4/‏ 2288): (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ – لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ – فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ)، لما أحسن تدبير النعمة عنده، تولى الله سبحانه وتعالى تدبير سوق الماء إلى حديقته، (ولم يذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الحديث إلا منبهًا لأمته على الاقتداء بهذا الرجل؛ في أن يكون لكل من ينفق في سبيل الله من حاصل فرع على نحو الثلث) (الإفصاح عن معاني الصحاح 8/‏ 152).
وهكذا نرى كيف يخلف الله على المتصدق والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون، كما أن الصدقة تكون سرًّا بين العبد وربه، ولهذا قال الرجل للسائل في الحديث: (قال له ما كنت أحب أن أذكر شيئًا من هذا فهو بيني وبين الله ولكن ما دمت بهذا القصد الصالح فاعلم أنني أقسم الثمرة أثلاثًا أتصدق بثلثها وآكل أنا وعيالي ثلثها وأستخدم الثلث بذرًا أعيد به زراعتها) (فتح المنعم شرح صحيح مسلم 10/‏ 590).
وانظر ـ أخي القارئ الكريم ـ إلى تدبير الرجل للأمر فيه! (فإن حظ نفسه وعياله ما ضاع، وكذلك الحديقة بحاجة إلى مال ليصلحها، وأعطى الفقراء الثلث الثالث، فلم يضيع الله عز وجل أجر هذا الإنسان، وأرسل له سحابة من الصحراء لتوصل الماء إليه بهذه الطريقة العجيبة، فهذه آية للخلق حتى يعلم الإنسان أنه مهما أعطى لله فلن يضيعه الله عز وجل، فإذا أعطى لله لم يعط ماله كله، وإنما أعطى ثلث المال لله سبحانه وتعالى) (شرح الترغيب والترهيب للمنذري 20/‏ 8، بترقيم الشاملة آليًا).
إذن فعلينا أن نراقب الله تعالى ونمكن لحسن الظن به في قلوبنا، فالأعمار قصيرة والآجال مكتوبة، والوقت القصير الذي يقضيه المرء في دنياه ما هو إلا تقديم لمكانه في الآخرة، ومما عملت ستؤجر، ولهذا سأحكي لكم هذه القصة، يحكى أن ملكًا من الملوك الحكماء، طلب من ثلاثة وزراء عنده طلبًا غريبًا جدًّا، فماذا طلبيا تري؟ لقد طلب أن يأخذ كل وزير من الوزراء الثلاثة كيسًا ويذهب به إلى حديقة قصره، ثم يجني من فواكه وثمار الحديقة حتى يملئ الكيس، بشريطين: أن يفعل كل واحد منهم ذلك بنفسه دون المساعدة من أحد، وألا يراه أحد، فذهبوا إلى حديقة القصر واختبأ كل وحد منهم حتى لا يراه أحد، وبعد مدة رجعوا إلى الملك وكل واحد منهم قد ملأ كيسه، وما أن يصل كل واحد منهم بين يدي الملك حتى يأمر الملك بسجنه سجنًا منفردًا لمدة شهرين بلا طعام ولا شراب، وكل من يسمع منهم هذا الحكم عليه يحاول أن يتكلم ليعلم ما هي تهمته وماذا أجرم ليعاقب هكذا ولكن الملك لا يجبهم، فحبسوا كل واحد بكيسه شهرين بلا طعام ولا شراب، ولما انقضت المدة كانت المفاجأة، خرج أحدهم بصحة جيدة، وخرج الآخر مرضًا جدًّا، ووجدوا الثالث قد مات، فتعجب الناس وقالوا إن في الأمر سر، فقال الملك للأول: كيف نجوت وأنت بصحة جيدة؟ فقال: يا مولاي، لما أرسلتني لأجمع الطيب من ثمار حديقة قصرك، كنت أتقي الله فيما أجمع فلا أنتقي إلا الطيب فعلًا ، فلما حبستني كنت أكل منه وهو طيب، فها أنا منه أطيب، ثم سأل الملك الوزير الآخر: وأنت لما أنت هكذا من شدة المرض؟ قال: يا مولاي لما أرسلتني لأجمع الثمر من حديقة بستانك قلت في نفسي وهل الملك سيأكل منه لابد أنه سيوزعه على بعض خدمه، فلم أنتقي الثمار، ولكن كنت أجمع طيبها وخبيثها، فلما حبستني كنت أكل من الطيب والخبيث، وها أنا كما تراني مما أنا فيه من شدة المرض، ثم دخل الملك الغرفة التي كان قد سجن فيها الوزير الذي قد مات، فوجدوا أن الكيس لا يزال مملوءً، فلما فتحوه وجدوا أن الوزير لم يهتم بما يجمع فملأ الكيس من الحشائش والعشب وأوراق الشجر، فلما سجن بها لم يستطع أن يأكلها فمات.
وهكذاـ إخواني الكرام ـ يجب أن نسأل أنفسنا نحن من أي نوع من هؤلاء الوزراء الثلاثة؟ فنحن نجتني الآن من بستان الدنيا ولنا حرية الاختيار، يمكننا أن نجمع الأعمال الطيبة منها أو الأعمال الخبيثة، فكل سيحاسب عما جناه وما قدمت يداه، والسؤال هنا ماذا سيكون حالنا غدًا؟! عندما يأمر ملك الملوك سبحانه وتعالى أن ندفن في قبورنا، في ذلك القبر الضيق المظلم تحت الجنادل والتراب وحدنا، ومثل كل واحد منا كوزير من أولئك الثلاثة، إذن فلنغير من الخبيث إلى الطيب، ومن السيئ إلى الحسن، ومن الشر إلى الخير، فلن ينفعنا غير الطيبات من الأعمال التي جمعناها في حياتنا الدنيا. فاستثمر صومك لترضي ربك.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap