الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فرحة العيد ورغبة التجديد

فرحة العيد ورغبة التجديد

محمود عدلي الشريف:
أمة الإسلام.. كل عام وأنتم بخير، وأعاد الله تعالى عليكم هذه الأيام المباركة بالخير واليمن والبركات، وبهذه المناسبة نرفع جميعًا أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يعيد هذه الأيام المباركة بالخير واليمن والبركات علينا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء، وأن يجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.. آمين. وبعد.. فقد أهلت علينا هذه الأيام المباركة أيام عيد الفطر المبارك بأنوارها وبركتها وفرحتها على ربوع بلادنا الطيبة لتزيدنا قربًا من ربنا بعد مزيد من القرب منه سبحانه طيلة أيام الشهر المبارك ففيها تسابق الجميع في الخير بالصيام والقيام والصدقات والتهجد، وإذا بها تنتهي بأجمل يوم بعدها ألا وهو يوم العيد، ليطل علينا بفرحته وجميل طلعته، وهداياه وعطاياه، وصلاته ووصلاته، ليجدد لنا كل شيء، فبزيارته كل عام نسعد نهيئ أنفسنا وبيوتنا لاستقباله، فهو يوم يزورنا مرة واحدة، ولكم ننتظر وأولادنا وأهلونا وأحبابنا كل عام تلك الزيارة، ليهدينا جمال الظاهر والباطن مع تقديمه أجمل الثياب، ويمنحنا أطيب الأوقات مع الأهل والأحباب، فـ(عن جابر عند ابن خزيمة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلبس برده الأحمر في العيدين وفي الجمعة)، وفي مسند الشافعي (عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلبس برد حبرة في كل عيد)، فهذه الأحاديث مع ما ثبت من الآثار تدل على أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتجمل للعيد بالثياب الحسنة) (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 6/ 122)، و(أخرج الْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن الْحسن قَالَ: أمرنَا رَسُول الله ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ أَن نلبس أَجود مَا نجد وَأَن نتطيب بأجود مَا نجد.. وَأَن نظهر التَّكْبِير وعلينا السكينَة وَالْوَقار) (الدر المنثور في التفسير بالمأثور 6/ 56).
فالعيد ـ إخوة الإيمان ـ محطة تجديد في حياتنا، نجدد فيها علاقتنا بالله تعالى، وعلاقتنا بأسرتنا، وعلاقتنا بأهلينا ومحبينا، فأما عن تجديد حياتنا الشخصية: يأتينا العيد ونحن في إجازة من الأعمال والأشغال، لتهدئة الأعصاب والنفوس من مشاغل وأعباء الأعمال، والترويح عن النفس وتغيير النشاط وترتيب الأفكار، والراحة من الذهاب والإياب، فالعيد حقا يجدد النظام اليومي المعتاد، والذي استمر طيلة العام قبل رمضان من بعد العيد السابق وحتى جاء هذا العيد، ولم يقف هذا الاعتياد إلا بالراحة في عطلة العيد الحالي، فحري بنا أن نجعلها حالة تجديد كاملة كل عيد بداية من القلب فهو أول ما ينبغي أن يجدد، فـ(عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: جددوا إيمانكم، قالوا: وكيف نجدد إيماننا؟. قال: بقول لا إله إلا الله) (الأربعين في فضائل ذكر رب العالمين، ص: 36).
ففي أيام العيد (يستعين المسلم على تقوية روحه وإصلاح نفسه بضروب من العبادة يقوم بها لله طائعا مخبتا قانتا، كتلاوة القرآن في أناة وتدبر وخشوع، والذكر في إخبات وحضور قلب، والصلاة القويمة المستكملة شروط الصحة والخشوع وحضور الذهن، وغير ذلك من ألوان العبادة، مدربا نفسه على القيام بهذه الطاعات، بحيث تصبح ديدنه وعاداته وسجاياه التي لا فكاك له عنها ولا انفصام. وبذلك ترهف نفسه، ويرق شعوره، وتتيقظ حواسه، فإذا هو في غالب الأحيان يقظ، متنته، مراقب لله في السر والعلانية، مستحضر خشية الله ومراقبته إياه في تعامله مع الناس، لا يجور، ولا يحيد عن الحق، ولا ينحرف عن جادة السبيل) (شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة، ص: 51)، وبهذا يكون العيد تجديدًا للنشاط الشخصي من كل النواحي وعلى مجال واسع.
وأما عن انعكاس هذا التجديد في صورته المفرحة على العلاقة الأسرة: فنحن ـ أيها المعيدون الفرحون ـ أمة نشاط وعمل تعبدي ودنيوي في رمضان والعيد وغيره وسائر الأيام، وقد تشغلنا أعمالنا بعض الوقت عن أولادنا وأسرتنا، وربما نشعر بالتقصير تجاههم، وقد جاء الحل لنعوض ذلك التقصير بالجلوس مع أبنائنا وأسرنا، أجل لنعوضهم عما شغلنا عنهم من أعمال والتزامات، فالعيد أيها الأحبة تجديد لهذا العلاقة الحنونة مع أطفالنا وذوينا، لنشعرهم أننا معهم نتابعهم ونسعدهم ونسعد بهم، فـ(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً” ثَلَاثَ مَرَّات) (المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة 3/ 199).
وأما عن علاقتنا بأهلينا وذوي أرحامنا: فالعيد فرصة كبيرة لصلة الرحم التقي قد نقصر في حقها دون قصد، فسبحان من أودع في كل قلب ما يشغله، فالعيد المبارك فرصة لإعطاء كل ذي حق حقه وتجديد للعلاقات والمحبة بين الأهل، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ”، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 7/ 154)، حتى من يبعد عنا بسكنه من الأحبة والأصدقاء، فالحمد رب العالمين، فقد أعطانا من العلم ووهبنا من القدرة ما نستطيع أن نتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ونتبادل التهاني والبر والصلة، فهو نوع من تواصلنا وتلاقينا، فالأمر في حد ذاته نعمة بها استطعنا أن نتحدث مع أهلنا وأصدقائنا البعيدين عنا، إذن جددنا العلاقات ووصلنا ما أمر الله به أن يوصل بالحضور المباشر بالزيارة وبغير المباشر عبر وسائل التواصل، وحينما نعود بعد إجازة العيد نجد أنفسنا بعد كل هذه المشاعر الطيبة وزيارات البر والصلة، وكأننا أصبحنا أشخاص أخرين، نعود إلى أعمالنا بهمة ونعمل بإخلاص وذمة فلله الحمد والمنّة، فما أحلاك أيها العيد وما أجمل كل شيء فيك، فهو نعمة من الله تعالى أنعم بها علينا، نسأل الله تعالى أن يعيده علينا جميعًا بالخير واليمن والبركات.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap