الجمعة 20 مايو 2022 م - ١٨ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / الملاذ الآمن للاحتياطي النقدي
الملاذ الآمن للاحتياطي النقدي

الملاذ الآمن للاحتياطي النقدي

جودة مرسي
يوجد تشبيه أقرب إلى الواقع لما يمر به الوضع الاقتصادي العالمي الآن، بأنه يشبه سفينة رحلات تقترب من جبل جليدي، ويحاول ركاب تلك السفينة النجاة بأنفسهم قبل اشتداد الارتطام بعيدا عن طاقم السفينة الذي لا يهمه سوى إنقاذ ركاب الدرجة الأولى (دول النظام العالمي)، بما يوحي بأن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة من التجديد لأدواته تشبه الوضع الذي تم إنتاجه في أعقاب الأزمة المالية في الفترة 2007-2008، والتي لعبت البنوك المركزية خلالها دورًا حاسمًا في إنقاذ النظام المالي العالمي للدول الكبرى. ولأننا لم نكن طرفًا فاعلًا في حل تلك الأزمة بطرح عملة أو أداة للتعامل النقدي نستفيد من صياغتها في إيجاد مساحة من المناورة لحماية اقتصادات منطقتنا من الأزمات العالمية التي تلاحقت علينا بعد هذا التاريخ، رغم أن الواقع يقول إننا نملك عصا سحرية يمكنها أن تكون أهم الملاذات الآمنة لمواردنا الاقتصادية. وهذا ما يدفعنا اليوم إلى التفكير مليا في طرح إمكاناتنا المؤثرة وفي المقدمة منها الذهب الأسود (البترول) والذي تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي منه 35% من احتياطي العالم، لنتمكن من خلاله من وضع قدم ثابتة للتنمية والمحافظة على مواردنا الاقتصادية.
أمامنا فرصة عظيمة استفادت منها روسيا في خضم الأحداث المتشابكة التي يشهدها العالم والتي منها افتعال كورونا (كوفيد19) ثم حرب أوكرانيا وقرار روسيا القاضي بالتعامل مع الروبل الروسي الذي ارتفع من 138 روبل أمام الدولار الى 64 روبل فقط، وليس هذا وحسب، بل إن هذا القرار ساعد في ثبات سعر الذهب وارتفاعه في بعض البلدان، نتيجة وضع روسيا شروط شراء منتجاتها بالروبل الذي يتم شراؤه بالذهب، لذلك لم يتأثر الذهب بالعلاقة التاريخية التي كانت تتمثل في انخفاضه مع ارتفاع الفائدة على الدولار، أو العكس، وهذا ما لم يحدث مؤخرا بعد رفع الفيدرالي الأميركي الفائدة على الدولار مرتين نصفًا في المائة، وله العديد من الدلالات، السلبية منها تأثر عملات العديد من البلدان بالانخفاض، فيما أن الحقيقة الجديدة هو التلميح بأن الدولار لم يعد ملاذًا آمنا للاحتياطي النقدي مثلما كان منذ العام 1944 حينما كان يمثل 90% من الاحتياطي النقدي لعملات العالم، ووصل الآن إلى 58% فقط. كما أن العملة الاطرادية معه وهي الذهب وحده أيضا ليس آمنا كاحتياطي نقدي، ولدينا مثال على لبنان التي أعلنت إفلاسها مؤخرا وهي في الترتيب الرابع عالميا لما تمتلكه من احتياطي من الذهب الأصفر يقدر بـ286 طنا، فلم يشفع لها هذه الكمية من الذهب في الوقوف أمام عجلة الإفلاس.
إن أهم القرارات التي يمكن اتخاذها واعتبارها الملاذ الأفضل، قبل ارتطام السفينة هو تفعيل خطوات أسرع بوضع عملة نفطية لدول المنطقة، فلا يوجد اختيار لشركاء نقديين أفضل من دول المجلس بحكم العديد من الاعتبارات، فهذه الخطوة هي الآلية لإنشاء أكبر الكتل الاقتصادية في العالم، التي تسهم في تنمية حجم التجارة البينية الخليجية، والحفاظ على الموارد النفطية، وتبعدنا عن الترقب والسؤال: أي من العملات الأجنبية ستطيح بالأخرى؟ وهل الوضع الآمن للاحتياطي النقدي هو الذهب أم سلة عملات مختلفة تحتوى على نسب من (الذهب، الدولار الأميركي، الجنيه الإسترليني، اليوان الصيني)؟ إن رحلة الدولار وسيطرته على الاحتياطي النقدي العالمي منذ العام 1944 مرَّت بالعديد من المراحل التي تشير إلى أن وضعه عالميا في هبوط، فمنذ هذا العام كان الاحتياطي النقدي للدولار هو الذهب الأصفر، ثم في العام 1970 تحول إلى الذهب الأسود (البترول) فتم تسعير البيع والشراء بالدولار الأميركي، لتتخلى أميركا عن الذهب الأصفر كاحتياطي لعملتها (حصة أميركا من الذهب نصف تريليون دولار والدين العام لديها 32 تريليون دولار) وتستبدله بالبترول..
منذ ما يقارب 41 عاما، ودول مجلس التعاون تبحث عن آلية اقتصادية تفعل ثرواتها النفطية، وما يمر به العالم الآن من عدم استقرار اقتصادي يدفعنا إلى إذابة نقاط الخلاف بيننا، لنضع الآلية التي تجعلنا أكبر الكتل الاقتصادية في العالم لما نمتلكه من أدوات وثروات ستساعد في إنشاء سوق مشتركة لتنمية حجم التجارة البينية الخليجية، وعلى صناع القرار البحث في ماهية هذه الآلية ربما قد تكون عملة متداولة أو بتكوين خليجي، أو عملة مبادلة، المهم أن القدرة على الوصول إلى الأداة ذات الطلب العالي ستكون خليجية خالصة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap