الجمعة 20 مايو 2022 م - ١٨ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / معادلات التقارب الخليجي ـ الخليجي ومستقبل مجلس التعاون
معادلات التقارب الخليجي ـ الخليجي ومستقبل مجلس التعاون

معادلات التقارب الخليجي ـ الخليجي ومستقبل مجلس التعاون

سعود بن علي الحارثي:
على ضوء تقرير صحفي نشرته جريدة الشرق الأوسط في 25 ديسمبر 2021م، بعنوان “المشهد الخليجي بين قمتين عهد جديد وانطلاقة واثقة نحو المستقبل”، رصدت فيه آراء عدد من الخبراء والأكاديميين والإعلاميين بشأن المتغيرات ومساعي المصالحة وترميم العلاقات المتفككة، والتي شهدتها منطقة الخليج، في الفترة ما بين “قمة العلا”، في الخامس من يناير و”قمة الرياض في 14 ديسمبر، 2021م، أثار الدكتور أحمد الإسماعيلي نقاشا بشأن الملف الخليجي ومستقبل مجلس التعاون، في مجموعة “السبلة الاقتصادية”، من حيث الفرص المتوافرة حقا في تحقيق “مقاربات وحدوية خليجية؟”، على ضوء جهود المصالحة والزيارات واللقاءات والتفاهمات والاتفاقيات الاقتصادية التي حدثت وأبرمت وتمت في الآونة الأخيرة مصحوبة بالإعلان المتكرر والبيانات الإعلامية والتصريحات السياسية الصادرة المبشرة بمستقبل جديد للعلاقات الخليجية ـ الخليجية، بعد عقود من التوترات والانقسامات والمقاطعات السياسية ـ الاقتصادية، وهو ما وجد فيه بعض المراقبين والمحللين والكتاب مؤشرا على انفراج خليجي، وإصلاح جدي في العلاقات وتعميق التعاون بين دول مجلس التعاون، يعيد للمجلس قوته ويحقق أهداف وغايات مؤسسيه، وأحدث كذلك ارتياحا وتفاؤلا في أوساط شريحة من أبناء هذه الدول ظهر صداه بجلاء في وسائل التواصل، وأنشأ أرضية حفزت على النقاش وتبادل الآراء والملاحظات ووجهات النظر، كما أبانت عنه مناقشات “السبلة الاقتصادية” التي تتميز بأعضاء من مختلف شرائح المجتمع مسؤولين ومفكرين وكتاب وأكاديميين وإعلاميين… في مداخلته القيمة، يقول الدكتور، أحمد الإسماعيلي، بعد أن طرح سؤاله التمهيدي، عن فرص التعاون وتحقيق التكتل والتكامل، “قبل ثلاثة عقود كانوا يعولون على مشتركات اللغة والدين والحوار كأهم محرِّكات هذا التقارب السياسي الاقتصادي، كما أن ظرفية الصراع الإقليمي في تلك المرحلة الأخيرة “من القرن العشرين” كانت تحتم على هذه الدول إيجاد مقاربات أكبر فيما بينها كي تتمكن من حماية نفسها من الثورات القومية والثورة الإيرانية وغيرها” فهل لا تزال تلك المشتركات دافعة ومحتمة وقائمة؟ “اليوم تبدو المعادلات مختلفة جدا؛ ولم يعد شيء مما مضى يمكن التعويل عليه في مسار المقاربات بين هذه الدول؛ ولم يعد سوى المسألة الاقتصادية عاملا جوهريا لإرساء مزيد من التقارب، إضافة إلى المقاربات الأمنية والتنسيق المشترك فيما يتعلق بالأمن الخليجي نوعا ما. وإذن يمكن أن نطرح سؤالا في عمق هذا الإشكال وهو: إلى أي مدى يمكن أن تحدث المسألة الاقتصادية مثل هذه المقاربات؟ وما هي شروطها بالضبط؟ ونحن نشاهد هذه التباينات الجذرية في حجم الناتج القومي لكل هذه الدول؛ بل نشهد وهو الأهم تباينات جوهرية على مستوى التفكير السياسي داخليا وخارجيا؛ وهو أحد أهم محركات هذا المسار التقاربي الخليجي. في نظري فإن هذا التقارب يبدو شكليا نوعا ما؛ وحتى يكون جوهريا وجادا فإن على هذه الدول أن تحدد موقفها من عناصر/مسائل محددة بشكل واضح وإيجاد منطقة مشتركة بين هذه الدول تشكل الرؤية المستقبلية وأهمها على الإطلاق السياسات الخارجية والسياسات الداخلية المتعلقة خاصة بالإسلام السياسي رغم الضعف الذي يعيشه هذا النوع من الإسلامات”. الأستاذ مرتضى بن حسن بن علي، الخبير الاقتصادي المعروف، لا يتفق في مداخلته مع الدكتور الإسماعيلي على أن “اللغة والدين كانتا المشتركات والدافع…” الذي أوجد كيان مجلس التعاون كمؤسسة تعاون مشترك في العديد من القضايا والقطاعات… فهي موجودة ومستمرة، واستمرارها “لم يمنع حالة القطيعة اللاحقة”، أما الأسباب أو العوامل التي فرضت على زعماء الخليج التوجُّه نحو إنشاء “مجلس التعاون الخليجي”، وفقا لرؤية الأستاذ مرتضى، فتتلخص في “أولا: انحسار المد القومي العربي الذي بدأ في الخمسينيات من القرن الماضي تمثله مصر وهي دولة كان لها ثقلها .ثانيا: ظهور العراق كقوة عربية صاعدة، ثم دخوله في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات وما أفرزتها من إعادة إنتاج الفتنة التاريخية الإسلامية القديمة وتوظيفها، ومحاولة معظم دول الخليج أن لا يكون هناك طرف منتصر، ومهزوم، وإنما يخرج طرفان كلاهما مهزوم. ثالثا: اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وابتعاد مصر عن محيطها العربي. رابعا: إعادة تشكيل حركات الإسلام السياسي واتجاهها لمزيد من العنف وانقساماتها المتوالية إلى حركات أعنف. خامسا: دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان والمحاولات الغربية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى وجود خطر شيوعي في جنوب الجزيرة العربية. سادسا: الإطاحة بنظام الشاه في إيران وسيطرة الجناح الديني على السلطة وتداعيات ذلك. سابعا: احتلال الحرم المكي وما أنتجه من تعاظم التشدد الديني .ثامنا: الارتفاعات المستمرة في أسعار النفط بعد حرب عام ١٩٧٣ وما شكلته من تدفق أموال خيالية للخزائن الخليجية”. مشاركتي المتواضعة لهذا الحوار العميق الذي حفز على التفكير وإثارة النقاشات المفيدة وسعى إلى رفع نسبة الفائدة من خبرات ومهارات أعضاء المجموعة، أكدت على أن دافع الجوار وهو مشترك مهم، يربط بين دول المجلس، ما زال قائما ومحفزا لتشكل وتعميق التعاون بين البلدان الخليجية، على عكس اللغة والدين، ولكن معيقات قيام هذا التحالف والتكامل، خصوصا في الجانب الاقتصادي، ما زالت قائمة من وجهة نظري الشخصية، وتزداد تعقيدا وتشابكا، وقد تودي به إلى الفشل مرات، وذلك لأسباب كثيرة، منها الاختلاف والتباين العميق في التوجُّهات والمصالح بين الأنظمة السياسية الخليجية، وربط العلاقات والاتفاقات وهذه المصالح الاقتصادية بضمان ولاء النظام السياسي وإعلانه التأييد التام على القرارات والسياسات والتوجُّهات المتخذة، وإن كانت تتعارض مع مبادئ الثاني السياسية، بمعنى أن السياسة تعبث في منطقتنا الخليجية بالمصالح الاقتصادية فتعيق نموها وتحقيقها لمنافع المواطن الخليجي. ثانيا: قرارات الارتباطات والتحالفات وحجم الاستثمارات التي تتخذها وتقرها كل دولة خليجية مع الدول والمنظمات والاتحادات الأخرى، تتم بمنأى عن التنسيق والتشاور مع الأعضاء في دول المجلس. ثالثا: القطاعات والأنشطة والمجالات التي تستثمر فيها دول المجلس لا تؤسس للتكامل والتعاون، بل للتنافس مما يقلل من العوائد ومن دوافع نجاح غايات مجلس التعاون. وأخيرا ولكي يضمن مجلس التعاون تحقيقه لأهدافه، لا بُدَّ من تبنِّي إصلاحات سياسية تكون فيها القرارات والسياسات والعلاقات والتعاون قائمة على المصالح العليا لكل دولة وعلى نظام مؤسسي متين، لا يمكن هدمه وإسقاطه كلما تغير الحاكم في الدولة فيتخذ القرارات وفقا للمزاجية ونتيجة فورة غضب، كما أن الثقة بين الأنظمة السياسية الخليجية اعتقد مهمة لنجاح العمل المشترك. الدكتور أحمد الإسماعيلي في آخر مداخلة حول الملف الخليجي، أضاف أن “الجغرافيا السياسية لها أهمية كبرى وهي أحد محرِّكات هذا التكامل الخليجي، إضافة إلى تاريخ هذه الدول التي نشأت معظمها من سياقات ظرفية سياسية واحدة وخلال مرحلة زمنية متقاربة أيضا… لكن أتصور بأن كل هذه ليست المحرِّكات الجوهرية للمقاربة السياسية والاقتصادية وإنما(لحظة الصراع الإقليمي) في القرن الماضي هي التي دفعت بهذه المنظومة إلى بناء استراتيجيات دفاع أو تعاون مشترك (إيران والثورة، العراق والفوضى، القومية والشيوعية، الصحوات الإسلامية وظهور قوة الإسلام السياسي وغيرها)، هذه الظرفية التاريخية أسهمت بشكل كبير في نشوء مجلس التعاون، إضافة إلى رغبة (الإمارات، قطر، الكويت) تثبيت كياناتها السياسية الجديدة عبر هذا التكتل السياسي بين دول الخليج. كل هذه النهايات، سواء أكانت فدرالية أو كونفدرالية في نظري لن تتحقق، وهي أيضا لا أظنها مطروحة على طاولة المفاوضات الآن، ولا أظن أيضا أنها أمل الشعوب، خصوصا ونحن نعاني من انقسامات كبرى على صعيد المسائل الصغيرة، فلا يمكن التفكير في اتحادات كونفيدرالية، فضلًا عن اتحادات فيدرالية.. ولا يمكن أيضا أن نصل إلى ما وصل إليه الاتحاد الأوروبي؛ لأنه حتى نصل إلى هذا المستوى من التفكير فإنه حتما يجب أولا أن نتقارب أكثر في النظرية السياسية الداخلية وكل اشتراطاتها، وهذا إلى الآن غير متحقق. الآن نحن أمام مسألة واحدة فقط وهي (نظرية التكامل الاقتصادي الخليجي) وإحداث مقاربات كبيرة في السياسات المالية والاقتصادية والسوق الخليجية المشتركة، سواء على صعيد التشريعات أو الإجراءات الإدارية أو الدفع بالاقتصاد(ناتج قومي يصل إلى تريليون و٢٠٠ مليار) ليكون أحد أهم شروط القوة التي تملكها هذه الدول في مواجهة التحوُّلات الاقتصادية العالمية وفي فرض شروطها الاقتصادية على الدول المنتجة”. وأراني لا أختلف كثيرا مع الدكتور الإسماعيلي في رؤيته العميقة، فالاقتصاد، هو المحرك والوقود الذي تبني عليه الدول والحضارات مجدها وتضمن متانة بنيتها التحتية وازدهار مؤسساتها التعليمية والبحثية والصحية، وتحقق خططها وبرامجها التنموية… وما لم تفصل دول الخليج بين خلافاتها السياسية من جهة وطموحاتها في تحقيق كيان اقتصادي قوي نامٍ ومنتعش قائم على التعاون والتكامل والتنسيق وتبادل الخبرات والاستثمارات والمنتجات بين دول المجلس، فسوف يستمر مجلس التعاون الخليجي في تسجيل المزيد من الفشل والاخفاقات والتراجعات. وأذكر أنني نشرت مقالا قبل أشهر عنونته بـ”الخلافات السياسية الخليجية تعبث بالمصالح الاقتصادية”.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap