الجمعة 20 مايو 2022 م - ١٨ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الدوام المرن.. الفرص والأبعاد الاجتماعية والتنموية
في العمق: الدوام المرن.. الفرص والأبعاد الاجتماعية والتنموية

في العمق: الدوام المرن.. الفرص والأبعاد الاجتماعية والتنموية

د. رجب بن علي العويسي:
تنفيذًا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله رعاه ـ تطبِّق السلطنة نظام الدوام المَرِن بدءا من اليوم الأحد الموافق 15 من مايو لعام 2022، حيث يلـتزم الموظفـون بالعمـل مـدة (7) ساعـات متصلـة يوميـًّا تتحـدد بـين الساعـة (7:30) صباحـًا حتى الساعـة (4:30) مسـاءً، وتحتسـب مـن وقـت حضورهــم للعمـل حـتى وقـت انصرافهـم منه، حيث يأتي التوجيه السامي لجلالته ـ أعزَّه الله ـ مرحلة مهمة في بناء منظومة العمل بالجهاز الإداري للدولة وتأسيس هياكلها الإدارية والتنظيمية بما يتناغم مع متطلبات المرحلة، ويجسِّد روح التغيير التي جاءت مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وما ارتبط به من تحوُّلات في مفهوم الإنتاجية والحوكمة، وإيجاد مسار مؤسسي مرن يتماشى مع التحوُّلات في الفكر الإداري المعاصر، وقياس الأداء الفردي والمؤسسي، وبناء الكفاءة الوطنية، والإدارة النوعية للمورد البشري، والفرص التي يمكن أن يقدمها قانون العمل الجديد، ويؤسسها في منظومة الجودة والإتقان والتنافسية والشراكة والمحاسبية، وبالتالي التوقعات بأن يسهم تطبيق فلسفة الدوام المرن في إيجاد مساحات أكثر مهنية وانضباطية والتزاما تعزز من جودة الأداء الفردي والمؤسسي، قائمة على الاختيار والانتقاء وإدارة وتنظيم الأولويات مستفيدة من حضور إدارة الوقت الرسمي في فقه الموظف وثقافته والمحافظة على حُسن استغلاله والاستثمار فيه، منطلقا لزيادة كفاءة العمل وإنجاز المهام والتخلص من بعض الممارسات السلبية.
وقد أشرنا في مقالات سابقة في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن)، من أن طرح الدوام المَرِن لم يعُدْ ترفا فكريا أو سلوكا شخصيا تتخذه الجهات المعنية بالدولة عند الضرورة، بل خيار استراتيجي يستدعي قرارا وطنيا، الأمر الذي يعكس اهتمام القيادة الحكيمة بما يطرحه المواطن ومتابعتها لهذا الموضوع في ظل ارتباطه بقضايا الساعة، وأن يُقرأ فقه الدوام المرن وفق سياسات وطنية عليا عبر تأطيره الفكري والمهني والتشريعي، وقراءة العائد الناتج منه ودوره في تقليل الازدحام المروري أو غيره، نظرا لما يقره من ميزات تنافسية على مستوى الفرد والمؤسسة، وبالتالي أهمية الحوار الوطني حول بناء المنصَّات التفاعلية بشأنه، وتشخيص الحالة المؤسسية واقترابها من فكرة التطبيق والفرص والتحديات، آخذة في الاعتبار الاستفادة من تجارب بعض المؤسسات الخاصة بشكل يراعي كل المعطيات والجهود المبذولة في التعامل مع التحديات والتي كان لها انعكاساتها على سلوك الموظف وقناعاته وكتلة المشاعر التي يحملها في ذاته، ليأتي التوجيه السامي في إقرار العمل بالدوام المرن، فاتحة خير ونافذة أمل للحدِّ من المشاعر السلبية والهواجس الشخصية التي ارتبطت بالازدحام المروري من جهة أو بتحقق طموح موظفي الجهاز الإداري للدولة بحصول تحوُّلات في منظومة الأداء المؤسسي انطلاقا من منظومة إعادة الهيكلة، بما فتحته من خيارات واسعة، وقدمته من حلول نوعية، واستراتيجيات في الأداء الرشيد، الأمر الذي سيكون له انعكاساته الإيجابية في قادم الوقت ليس على أداء الموظف فحسب، بل على الثقافة المجتمعية عامة، والقناعات المتولدة لدى المواطن حول هذا الموضوع، ومطالباته المتكررة على أهمية إدخال أفضل الممارسات والتوجُّهات العالمية في رسم ملامح إعادة الهيكلة في منظومة الجهاز الإداري للدولة، وبالتالي قدمت التوجيهات السامية المطاعة، صورة نموذجية لنمو ثقافة إدارية تنظيمية واعدة في مؤسسات الجهاز الإداري للدولة، بما يعنيه ذلك من رؤية أعمق جاءت خلاصة لقراءة واعية للواقع المؤسسي والموجهات والمحددات التي باتت بحاجة إلى أن تقف عليها هذه المنظومة.
وبالتالي جملة الفرص والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإنتاجية وغيرها التي حملها التوجيه السامي بتطبيق الدوام المرن، بما يشير إلى أن التحوُّلات الحاصلة في منظومة عمل المؤسسات، والقراءة الأخرى لمفهوم الإنتاجية في الأداء الحكومي، والتحوُّل في مسار عملها باعتبارها المصب الرئيسي لكل عمليات المؤسسات، عززت من أهمية النظر في تطبيق الدوام المرن؛ باعتباره خيارا وطنيا في الاتجاه الصحيح، وتحوُّلا في ثقافة العمل ووقت الدوام الرسمي، فإن هذه الخيارات المتاحة أسهمت في إيجاد مزيد من المرونة والأريحية والاستمرار في الأداء الفاعل، الأمر الذي سيكون له أثره في نوعية وحجم المنجز المتحقق، بما يقلل من فاقد العمليات المتكررة التي باتت تشكل عبئا على الأداء الحكومي والطموحات المتحققة منه، وتضييع لوقت العمل الرسمي في ممارسات قد لا تتناغم مع رؤية الإنتاجية، الأمر الذي يمكن القول بأن نظام الدوام المرن ليس حالة ذاتية بقدر ما هو خيار وبديل لقراءة متجددة لمفهوم الإنتاجية، وتأصيل لثقافة العمل المنتج، وفق معايير المنافسة والإنجاز والقدرة والابتكارية والمرونة والاستيعاب، وإيجاد قيمة مضافة لمفهوم الوقت في حياة الموظف.
كما يأتي تطبيق الدوام المَرِن مراعيا لطبيعة بعض الوظائف والمهن وظروف القائمين عليها، والتزامها في التعامل مع الجمهور بفتح المجال لها في أوقات أخرى، تمتد إلى وقت الساعة الرابعة والنصف، ضمن نظام مؤسسي يلتزم معايير الأداء، ويكتسب صفته الاعتبارية عبر التشريعات النافذة، والقوانين المنظمة للعمل، وهو أمر يتيح فرصة أكبر للمراجعين في الاستفادة من عمل المؤسسة، والحصول على تراخيص أعمالهم في فترة زمنية متقاربة، حسما لحالة الانتظار التي قد تترتب على انتهاء مهمة عمل هذا التقسيم الإداري، إذ من شأن هذا الفارق الزمني أن يوفر مساحات مرنة تتناسب مع رغبة الموظف وتراعي البُعد المكاني من موقع العمل، والبُعد الزماني الذي يستقطعه في الطريق، ويحسم حالة التأخر التي تحصل من الموظف، مع إبقاء معادلة القوة حاضرة فيما يقدمه من فرص للموظف في اختيار ما يناسبه، في ظل رغبة وإنتاجية وشعور بالأمان النفسي والفكري وهو يقدم إلى عمله غير مشتت التفكير أو أن تبدو عليه علامات القلق من التأخر عن البصمة، وهكذا يصبح الدوام المرن معادلة نجاح لبناء الإنتاجية النابعة من إدارة مؤسسية ناضجة للمشاعر، ووقوفا حقيقيا على الاحتياج، ومنح الموظف فرصة أكبر لتصحيح أوقاته، وفهم قيمة الوقت وأهميته فيمنحه المزيد من الاهتمام والتقدير، بالإضافة إلى البُعد الآخر من المعادلة والمتمثل في تقليل الازدحام المروري الناتج عن خروج جميع الموظفين بالوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات أو دخولهم إليه في وقت واحد، بحيث يختار الموظف وقت بدء دوامه وساعة المغادرة بما يتماشى مع طبيعة المهام والاختصاصات التي يمارسها، مع مراعاة الخصوصية التي تعمل فيها بعض الإدارات الخدمية المعنية بالمراجعين كقاعات الخدمات الموحدة في المؤسسات الشرطية والمدنية وغيرها.
ويأتي البُعد الاجتماعي كأحد الأبعاد المهمة التي سوف يعمل نظام العمل المَرِن على تأصيلها في فقه الحياة الوظيفية، بما يضمن تقليل التكهنات من الأثر السلبي للعمل الوظيفي على الحياة الاجتماعية، وأن الضغوطات التي يواجهها الموظف أسهمت في التأثير على الحياة الأسرية والاستقرار الأسري، فإن إيجاد بيئة عمل نموذجية للموظف تعمل على تعزيز فرص الإنتاجية لديه، وترقية مساحات الابتكار والمهنية والاحترافية في أداء مهامه الوظيفية، وعبر الدوام المَرِن، سوف يضمن اتساع مساحة تأثيرها إلى خارج بيئة العمل، من خلال زيادة مساهمتها في تعزيز فرص التواصل العائلي والأسري، والاستقرار الأسري والاجتماعي، فإن الدوام المَرِن وخيار التوسع فيه، سوف يسهم في زيادة الاستقرار الأسري للموظف، خصوصا أولئك الموظفين الذين يقطعون ساعات طويلة في رحلة الذهاب والعودة للعمل من خلال زيادة الساعات التي يقضيها الموظف بين أبنائه ومع أسرته، بمعنى أن الاستثمار في مساحة المرونة في الدوام المرن، سوف يسهم في تلبية احتياجات الموظف لسرته من خلال قدرته على إدارة متطلباتها وقضاء حاجاتها في تلك الفترة، كأن تتوافر لديه المساحة للاطلاع على مسارهم التعليمي، أو حضور بعض الفعاليات في وقت الصباح أو أخذهم إلى المدرسة في حالة تأخر الحافلة، بل قد يمكّنه ذلك من قضاء أعماله الخاصة، وتخليص معاملاته الضرورية دون الحاجة إلى الاستئذان بالخروج من وقت العمل.
وفي الإطار نفسه يمثِّل بُعد الصحة النفسية للموظف أحد المعطيات المترتبة على خيارات الدوام المَرِن، إذ تمثِّل حالة الارتياح التي يشعر بها الموظف في خياراته محطة مهمة في فلسفة الدوام المَرِن، كما تُسهم في إعادة هندسة الذات والتحوُّل في العادات اليومية، سواء في وقت الذهاب إلى العمل والعودة إلى المنزل، وحالة الشد والجذب والصراع مع ازدحام الطريق الناتجة من قضاء المسافات الطويلة، وقد أعياه التعب والإرهاق من طول المسافة خصوصا مع تغير التوقيت الصيفي والشتوي، الأمر الذي يشكِّل تحديا نفسيا وجسديا على الموظف، ينعكس على جانب الاستقرار المهني لديه في حالة الذهاب للعمل، ومستوى الاستقرار الأسري في مسار العودة، ليبني الدوام المرن مرحلة جديدة يعيد فيها الموظف تقييم خياراته، بما يعزز من فرص الاستقرار النفسي والشعور بالمزيد من الانتماء الأسري والعائلي.
أخيرا، يمثِّل التوجيه السامي بتطبيق الدوام المرن رؤية عميقة في حوكمة الأداء بمؤسسات الجهاز الإداري للدولة، الأمر الذي يصنع من وقت العمل الرسمي، قيمة مضافة في حياة الموظف ومسؤوليات المؤسسة، ويؤسس في سلوك الموظف فقه إدارة وترتيب الأولويات وتعزيز الاختيار الواعي في ظل ارتباطه بتنشيط حركة قياس الأداء الفردي، باعتبارها معينات تلقي على منظومة الجهاز الإداري للدولة مسؤولية الابتكارية في إدارة مواردها البشرية، واحتواء الكفاءات، وإعادة إنتاجها بطريقة نوعية تراعي حجم الظروف والمتغيرات وتستحضر العوامل الشخصية المؤثرة في الأداء، بما يوفر فرصا أقوى في إعادة قراءة التشريعات والقوانين ومستوى ارتباطها بالواقع الوظيفي وقدرتها على نقل الموظف إلى مرحلة الإنتاجية، واستثارة الدوافع ورفع مستوى التوقعات لديه، في ظل مساحة الجاهزية المهنية والفكرية والنفسية التي تستجد في حياة الموظف، والقناعات الإيجابية التي يحملها حول العمل والإنجاز والمبادرة والتطوير المؤسسي، فتنشط فيه دوافع المبادرة، وتقوى فيه معايير الالتزام، وقِيَم العمل وأخلاقياته التي ستنعكس على ممارساته الوظيفية ومهامه، إنه مدخل القوة للبدء في قراءة هذا الخيار الاستراتيجي الوطني بطريقة أكثر مهنية واستدامة، وتقوية جهود العمل الداعمة لهذا التوجُّه من خلال قراءات استقرائية للواقع المهني والاجتماعي، ودراسات موضوعية ترصد حجم التأثير الناتج من الدوام المَرِن، ورصد النماذج الإيجابية وأفضل الممارسات الناتجة عنه، وتوفير مساحة أوسع من الرقابة والمتابعة للحيلولة دون تشويه صورته أو انتقاص قيمته وزيادة فرص التوقعات بشأنه في الهيكلة الجديدة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap