الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / 74 عامًا من نكبة فلسطين: شعب فلسطين لن ينتهي
74 عامًا من نكبة فلسطين: شعب فلسطين لن ينتهي

74 عامًا من نكبة فلسطين: شعب فلسطين لن ينتهي

علي بدوان:
أربعة وسبعون عامًا مرّت في أيار/مايو الجاري 2022 على أكبر جريمة منظمة، ارتكبت بحق الشعب العربي الفلسطيني، عبر أوسع حملة إبادة وترانسفير وتطهير عرقي، وتدمير لقراه وبلداته ومدنه، ونهب حقوقه، وضرب وجوده المادي والكياني، على أرض وطنه فلسطين، واحتلاله وسلب حقوق وتهجير أكثر من نصف شعبه، وإقامة كيان دولة “إسرائيل”، الكيان العنصري، حيث لا تزال تبعات الكارثة تلاحق الشعب العربي الفلسطيني منذ (74) عامًا، وأحفاد اللاجئين منه في كافة مناطق وجودهم، خصوصًا في دول الطوق (الأردن ولبنان وسوريا).
فقد كان الشعب العربي الفلسطيني وما زال ضحية المشروع الصهيوني، الكولونيالي التوسعي الاقتلاعي، الذي يواصل سياساته المعروفة حتى الآن، وأمام العالم بأسره بقمع الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، وعموم الأرض المحتلة عام 1967 والتنكيل به، وآخر تلك المشاهد ما جرى ويجري في مدينة القدس وعموم الضفة الغربية، واستشهاد المراسلة التلفزيونية شيرين أبو عاقلة.
إن المشروع الصهيوني ودولته المُسماة “إسرائيل”، تَكمُنُ أزماته التي لا تهدأ باعتباره كيانا طافرا “غير طبيعي”، فهو كيان كولونيالي استيطاني إجلائي يُمثِّل بشكلٍ أو بآخر بقايا الاستعمار التقليدي. وهو كيان قائم أيضًا على الاغتصاب والظلم، وعلى هجرة المجموعات الإثنية اليهودية من بلدانها الأصلية البالغ عددها نحو تسعين بلدًا متناثرين على أصقاع المعمورة، لإحلالهم مكان شعبٍ أصيل يسكن أرضه منذ قدم التاريخ، فضلًا عن كونه كيانًا عنصريًّا. والكيانات العنصرية القائمة على سلب حقوق الآخرين، تَحمِلُ بذور فنائها في ذاتها، لأنها تسير عكس حركة التاريخ والتطور، وتظل مسألة بقائها مسألة زمن، ومسألة مُرتبطة بقيام أصحاب الحق في الأرض بواجبهم تجاه استرجاع حقوقهم.
والآن، يعاني ويواجه المشروع الصهيوني التحديات الكبرى والأزمات المستعصية العضال، التي توفِّر لمن يقف في مواجهته مجموعة من الفرص يُمكن أن تؤثر في معادلة الصراع، إن جرى توظيفها بشكلٍ منهجي ومدروس. حيث يتواصل الكفاح الوطني الفلسطيني، ودون هوادة ضد الاحتلال وكيان الاحتلال، وبكل الأساليب والأنماط المُمكنة والمتوافرة، وبالشرعية الدولية التي تنسجم مع القانون الأممي.
إن الكفاح الفلسطيني المتواصل منذ ما قبل عام 1948 وحتى الآن، أعطى الكثير من ثماره بوجود وتعميق أوجه الـ”تفتت” في بنية “إسرائيل” وفي “تآكل المنظومة المجتمعية للدولة العبرية الصهيونية” بحسب المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري، وبالذات بعدما فشل مُصطلح “الصهر” الذي حدده (ديفيد بن جوريون) مؤسس الكيان الصهيوني لصهر المجتمع بأكمله في منظومة واحدة موحّدة بعيدًا عن الهويات المُتعددة التي جاء بها اليهود من مُختلف بلدان العالم.
فـ”إسرائيل” تعاني أزمة هوية شاملة تتصل بطبيعة تكوينها كخليط من مجموعات المُستوطنين المُستعمِرين، الذين جاء كل منهم بخلفية ثقافية وحضارية متمايزة. وإذا كانت الأيديولوجية الصهيونية قد استثنت فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 من عملية الدمج في الأطر الثقافية والسياسية الصهيونية، فإن الصهيونية قد فشلت أيضًا في صهر الجماعات اليهودية رغم مرور عدة عقود على قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية. والحديث المحدد هنا يجري عن مجموعتين عرقيتين هما: اليهود الشرقيون، والروس (السفارديم)، مع اختلاف أسباب عدم انصهار كل مجموعة. وهم يمثلون (حوالي نصف اليهود في الكيان الصهيوني) بــ(بنية) فكرية وحتى عرقية، مُختلفة تمامًا عن اليهود الغربيين (يهود أوروبا وأميركا الشمالية) (الإشكناز). وأما اليهود الروس (قرابة مليون “مستوطن مُستعمر” هاجروا إلى فلسطين المحتلة إثر انهيار الاتحاد السوفيتي) فقد وصلوا الاحتلال في حالة تفكك أيديولوجي، واعتراف بواقع التعددية التي فشلت الصهيونية في صهرها في بوتقة واحدة، ثم فقد وصلوا إلى بيئة ممهدة للاعتراف بهم كقومية جديدة متميزة لغويًّا وثقافيًّا عن البقية من يهود “إسرائيل”.
وعليه، ما زالت جدلية وتعريف “من هو يهودي” قائمة حتى اليوم في الكيان الصهيوني، حيث لم تُحسم بعد ولن تُحسم قريبًا، فضلًا عن نتوءات عدة فاقعة، أبرزها أولًا: مكانة المواطنين العرب الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام 1948 وهم أصحاب الوطن الأصليون. وثانيًا: جدلية الدين والدولة وقضايا وقوانين الأحوال الشخصية. وثالثًا: انعدام دستور للدولة وغيرها، حيث تُحاول الدولة “الإسرائيلية الصهيونية” حتى الآن التعويض عن انعدام الدستور فيها بما يسمى قوانين أساسية وهي أحد عشر قانونًا تُعد أكثر أهمية وسطوة من القوانين العادية، حيث ينصُّ قانون الأساس على تعريف دولة الكيان “الإسرائيلي الصهيوني” بأنها “دولة يهودية وديمقراطية” (لاحظ: يهودية قبل ديمقراطية)، وجاء ذلك التعريف بعد نقاش جرى في الكنيست الصهيوني قبل أكثر من ربع قرن مضى، واختلفت حتى الأحزاب الصهيونية بين عبارة “دولة يهودية” أو “دولة الشعب اليهودي” وكان القرار خلال التصويت على القانون عام 1985 البند السابع/أ على “دولة يهودية” ذي الطابع الديني والقومي معًا حسب تفسير أصحاب الاقتراح، فيما يذكر بما قاله ديفيد بن جوريون قبل عقود “بأن دولة إسرائيل هي دولة اليهود أينما كانوا”.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap