الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقات العربية الروسية وأهمية تعزيزها
العلاقات العربية الروسية وأهمية تعزيزها

العلاقات العربية الروسية وأهمية تعزيزها

خميس بن عبيد القطيطي
للحديث عن العلاقات العربية الروسية لا بُدَّ من استعراض الخلفية التاريخية وتحديد بعض المميزات التي ميَّزت الاتحاد السوفيتي السابق فيما يتعلق بمفهوم العلاقات الدولية وقواعدها، وهنا يتقدم السوفيت على بقية القوى الدولية الأخرى رغم وجود بعض المحطات الحرجة في تاريخه. لكن يظل تاريخه إيجابيا قياسا بقوى الغرب التي تنمرت على شعوب العالم وتلطخت يدها بالجرائم أثناء حقب الاستعمار القديم والحديث.
الماضي السوفيتي مع الوطن العربي يذكرنا بلمحات مضيئة؛ وذلك بعد تشكل النظام العالمي لِمَا بعد الحرب العالمية الثانية، فكانت وقفة مشرفة للسوفيت إبان العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م، فقد وجهت القيادة السوفيتية إنذارا لدول العدوان وهي بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” بوقف العدوان خلال (١٢) ساعة والانسحاب خلال ثلاثة أيام وبالفعل تحقق انتصار سياسي سريع لمصر بانسحاب قوى العدوان، فكان هذا الانسحاب ليس من مصر وحدها، بل تآكلت بقية المستعمرات الأوروبية والبريطانية، خصوصا بعد أن كانت تسمى الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، وكذلك الحال بالنسبة لفرنسا بعد هزيمتها في الجزائر، وهذا ينطبق على بقية الدول الأوروبية التي استعمرت دول الوطن العربي من المغرب غربا وإلى العراق شرقا. لقد شكل هذا الواقع صورة تلك القوى الدولية التي مارست جميع مفردات البؤس والإذلال في حق الشعوب التي استعمرتها، بالمقابل يختلف ماضي الاتحاد السوفيتي اختلافا كليا، فلم يسجل تاريخه صفة المستعمر في الوطن العربي، بل كان داعما لقضايا العرب، وفي عام ١٩٥٨م بعد عامين وبعد ثورة ١٤ يوليو ـ تموز بالعراق طلب النظام الجديد في العراق مساندة الروس لضمان وجود قوة عالمية تستطيع التدخل فيما لو تدخلت بريطانيا، وهي ـ بلا شك ـ كانت تحكم قبضتها على العراق منذ ما قبل حلف بغداد الذي كان موجها ضد الاتحاد السوفيتي، فتوجه النظام العراقي الجديد للزعيم جمال عبدالناصر الذي بدوره أحاط القيادة السوفيتية بالواقع الجديد في العراق طالبا المساندة في حال تدخلت بريطانيا فوجَّه الزعيم السوفيتي خورشوف حينها تحذيرا لبريطانيا من مغبة التدخل في خيارات الشعب العراقي، وبعد استقرار الوضع للنظام الجديد في العراق قال خروشوف مقولته: “جميل أن يكون حلف بغداد بدون بغداد”.
تاريخ العلاقة بين العرب والسوفيت أيضا تجسد بإمدادهم بالسلاح وفتح مخازن السوفيت للعرب مما ساند ذلك في تحرير الجزائر ودول عربية أخرى، ولم يكن السلاح السوفيتي محددا بأجيال معيَّنة أو فئات من السلاح والقطع الحربية أو منزوعا منه بعض المواصفات على عكس السلاح الغربي الذي ما زال حتى اليوم وفقا لتحديدات معيَّنة لا يمكن تجاوزها، وقد دخل العرب في حرب أكتوبر ١٩٧٣م بالسلاح السوفيتي على الجبهتين المصرية والسورية، لكن هذه العلاقات تراجعت في ظل غياب القطب السوفيتي بعد عام ١٩٩١م مؤقتا، لكنها عادت للواجهة بعد تجديد الدماء في الوريث الروسي منذ عام ٢٠٠٠م بقيادة القيصر فلاديمير بوتين، فبرزت العلاقة مع دول عربية مثل العراق والجزائر وسوريا، وفي السنوات الأخيرة أسهمت بقوة في صمود سوريا، كذلك كان موقف روسيا متوازنا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على عكس المواقف الغربية التي اصطفت مع الصهاينة طوال العقود الماضية.
اليوم تمد روسيا الاتحادية يديها نحو الأصدقاء العرب مدركة أن المصالح المتبادلة مع الوطن العربي يمكن استثمارها بشكل أكبر اقتصاديا وعسكريا، خصوصا أن التعامل بين الطرفين مؤطر بالاحترام المتبادل وليس بثقافة الكاوبوي التي سيطرت على العلاقة مع الغرب عموما. ومن هنا، فإن على العرب أيضا تبنِّي زمام المبادرة في صياغة علاقة استراتيجية مع المحور (الروسي ـ الصيني) الذي يتصاعد في المشهد العالمي وقد بدأ بالفعل عدد من دول المنطقة عقد اتفاقيات شراكة اقتصادية مع هذا المحور، منها الجزائر والكويت وايران. ولا شك أن التوجُّه العربي القادم تحكمه المصالح المشتركة، كما أن العلاقات يجب أن تبنى على الاحترام المتبادل وليس علاقات الهيمنة الذي مارسته وتمارسه بعض القوى الدولية.
أوروبا قد تكون هي المتضررة، أثبتت الأزمة الأوكرانية حاجة العالم للنفط والغاز، ومحاولة البحث عن بدائل كافية والعالم اليوم على رمال متحركة قد يحدث فيها أية ظروف ومتغيرات قد تغير وجه العالم، ولا شك أن القوى المناوئة لروسيا ما زالت تُعوِّل على نهاية مختلفة للحرب في أوكرانيا، لكن القيصر الروسي وقيادته الفولاذية قد حسم الكثير من خطوط التأثير وما زال مركز الثقل (النووي) لديهم في حالة انتظار، فما يميز روسيا في هذه الأزمة هو أنها تعرف ماذا تريد ولديها تقدير موقف واضح وتُسيِّر الأحداث على وتيرة هادئة أثبتت فيه القيادة الروسية احترافيتها في إدارة الأزمة رغم كل العقوبات الموجهة ضدها، بل سجلت نجاحات لافتة على الصعيد الاقتصادي والعسكري مما جعل قيمة الروبل الروسي ترتفع، فقد تم استخدامه كإحدى الأوراق الرابحة في هذه المعركة، وهي بلا شك معركة أكون أو لا أكون تسير لصالح الروس حتى الآن.
أعتقد أن العرب اليوم يتعاملون مع الواقع الدولي الجديد بنجاح، فقد كان لافتا وقوف بعض الدول العربية إلى جانب روسيا ضد مشروع القرار الغربي، ما يوحي أن العرب مدركون أهمية هذه المرحلة التاريخية الفاصلة وهم يتعاملون معها بشكل جيد وينسجون علاقاتهم بشكل متوازن، ولا شك أن ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب يُمثِّل أهمية كبرى للعرب كما هو لبقية دول العالم.
زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى الوطن العربي التي شملت الجزائر وسلطنة عمان تحمل ذات الدلالات المتمثلة بمدِّ روسيا يدها نحو العرب، وأعتقد أن رسالة العرب كانت سابقة أيضا سبقت الإشارة. وما من شك أن العلاقات الدولية تحكمها المصلحة، وهنا فإن المصالح العربية في مدِّ شبكة علاقات متوازنة وإيجاد منافذ مختلفة، وتعزيز التبادل التجاري وتنمية العلاقات الدولية مع محور صاعد (روسيا والصين) فهو يُمثِّل أهمية كبيرة للطرفين العربي والروسي، خصوصا أن الوطن العربي يعد سوقا اقتصادية كبيرة، وتبرز أهمية تعزيز هذا التعاون والتبادل التجاري مع هذا المحور بأن يعيد صياغة العلاقات الدولية بين العرب وبقية القوى الدولية.
لافروف تحدث بوضوح في زيارته للسلطنة شارحا الموقف الروسي من الحملة العسكرية في أوكرانيا والموقف الجيوسياسي الروسي ومستأنسا في نفس الوقت بالرأي العُماني الذي عُرف بالحكمة والاتزان، كما تحدث في المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجية معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي في نقاط متعددة، خصوصا ما يتعلق بعدم تسييس أسواق الطاقة محذرا من خطورة التضخم، كما عبَّر عن تثمينه للدور العُماني في ملفي سوريا واليمن والمتطابق مع الموقف الروسي. وبدوره أكد معالي السيد بدر البوسعيدي أهمية التعاون مع الجهود الدولية في التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الايراني، وهناك بعض الاتفاقيات المزمعة بين الجانبين منها تجنب الازدواج الضريبي وإلغاء التأشيرات المتبادل لمواطني البلدين وأهمية تعزيز التعاون بين روسيا الاتحادية والسلطنة، بينما جاءت الزيارة إلى الجزائر لتعزيز الشراكة معها وتأكيد تلك التحالفات، ولا شك فإن الرسالة الأخرى للزيارة موجهة إلى بقية الدول العربية بأن روسيا تمدُّ يدها للجميع.
الحملة الروسية لم تنتهِ بعد، وهناك تأويلات وتحليلات مختلفة حولها، ولكن أعتقد شخصيا أن القياصرة الروس قادمون بقوة نحو صياغة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب مما يبرز أهمية نسج علاقات متطورة معها وشراكة عربية مع هذا القطب الدولي وريث الامبراطورية السوفيتية والأُمة العربية في غالبها تتطلع إلى ولادة نظام عالمي جديد تؤسس فيه العلاقات الدولية على أُسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ويستعيد قواعد الأخلاق الإنسانية التي غابت في حقب سالفة، ولا شك أن غياب تلك القِيَم والأخلاق الإنسانية في أي نظام عالمي سيعجل بنهايته.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap