- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (1ـ8)

سعود بن علي الحارثي:
أولا: فرص يفاجئنا بها الأصدقاء:
نجونا بحمد الله من الجائحة، وما زلنا ندب على وجه الأرض نضع الأهداف ونعد الخطط ونستعد للمستقبل ونؤمل النفس بالكثير من الأحلام والطموحات والتطلعات وتحقيق الغايات، وسنوات أخرى من الارتباط بالحياة والصحة والقوة ومتع الدنيا الكثيرة وفي مقدمتها السفر والتعرف والاحتكاك بالثقافات والشعوب والأعراق والدول وبمدن العالم ومناطقه. فالقراءة والسفر حياة وعلم، وتعميق للوعي، وارتواء بالمعرفة والثقافة، وتواصل واتصال بالآخر. تحررنا من قيود “كوفيد19” وما كنا نعتقد بأننا سنفلت من سجونه وإجراءاته واحترازاته، أو سنتخلف عن ركب من رحلوا عن دنيانا بإصاباته القاتلة، من الأحبة والأصدقاء والمعارف والملايين من الناس حول العالم، ولكن ما زال لنا حظ من الدنيا ونصيب من أيامها قد تطول وقد تقصر، فعلم ذلك عند “علام الغيوب”، أكثر من سنتين ونصف السنة، لم أشهد خلالهما مطارا ولم أحجز تذكرة ولا ركبت طائرة ولم أمر بتجربة سفر، ولم أغادر وطني إلا لبضعة أيام في دبي، فقد أشرت في مقالات سابقة إلى أن “كوفيد19″، “نغَّص علينا حياتنا وضيَّق حدود حركتنا، فلم أستسغ السفر بعد أن فقدت متعته المعهودة ومذاقه العذب، فقد كنت مطالَبا بفحوصات مكلفة ماليا، تتكرر في كل دولة ومطار، وعند المغادرة والعودة، وإذا ظهرت النتائج بأنني حامل للفيروس فهذا يعني إعاقتي من السفر أو تأخيري وتقييدي في البلد التي شرفت بزيارتها، ومقيدا بإجراءات لبس الكمامات والتباعد، والشعور بالقلق من العدوى، والتوجُّس من كل راكب في الطائرة يجلس بجنبي وقد تنحنح وسعل وأظهر شعورا بالحرارة والحمى، والخشية من لمس أي شيء بما في ذلك الأنف والعين والفم والأجساد الأخرى الحية والجامدة… ولبس الأسورة والحجر لمدَّة أسبوع على الأقل في المنزل بمجرد الوصول إلى الوطن، فأي راحة وبهجة ومتعة ونكهة يشعر بها المسافر وهذه الإجراءات والاحترازات تقيده وتقلق راحته وتجثم على صدره؟”، على ضوء هذه الحقيقة كنت أقدم الاعتذار لكل من بادر ـ مشكورا ـ فدعاني إلى مرافقته في سفر من أسفاره، مفضلا البقاء والانتظار إلى أن تنكشف الغمة ما دام دافع السفر غير ملح ولا تفرضه الضرورات، لقد “كانت مرحلة قاسية علينا جميعا، عشنا سنتين استثنائيتين نعاني من جائحة استنزفت الأرواح والأجساد والموارد والاقتصاد وحوَّلت حياتنا إلى جحيم، في ظل إجراءات واحترازات لم يعهدها آباؤنا ولم يسمعوا مثيلا لها ممَّن سبقهم، فكيف بجيلنا الذي عاش في ازدهار ورخاء ورفاهية مقارنة بجيل الآباء، واعتاد حرية التحرك والتنقل والسهر والتطواف والسفر، وأدمن تمضية الأوقات مع الأصدقاء في الأسواق والمجمعات العصرية والمطاعم والمقاهي الحديثة ومشاهدة الأفلام في السينما… اليوم بحمد الله، وبفضل العلم، والجهود والمبادرات الوطنية، ووعي المجتمع. تحررنا من مخاطر هذه الجائحة، واستعدنا حياتنا الطبيعية شيئا فشيئا ومن بينها متعة التطواف في دول العالم ومدنه، فالأيام تجري متعجلة، وبجريانها تطوى صفحات العمر الواحدة تلو الأخرى بأسرع مما نتوقع ونأمل، نتجاوز المراحل ولكل مرحلة خصائصها وأوضاعها وسماتها المفروضة علينا مع تقدم السنين، نكبر ونشيخ، ينمو الشعر الأسود ويتلون بالأبيض تدريجيا في مرحلة ثالثة، وينتصر الأخير على الأول فلا يبقى في ميدان الجسد سوى الأبيض يعشش في كل جزء من أجزائه، يتسرب إلينا الضعف والمرض والوهن ومشاعر يمتزج فيها الإحباط بالتفاؤل، والحزن بالفرح، والخوف بالطمأنينة، واليأس بالرجاء، في وضع غير مستقر فقد (خلق الإنسان ضعيفا)، و(هلوعا)، وهو بطبيعته (فان)، و(الأيام دول) وعواقبها مجهولة، و(من سره زمن ساءته أزمان). وقوة الشباب ونشاطه وعافيته وحركته وثورته تذبل شيئا فشيئا، ويصبح الإنسان محتاجا بشدة إلى التغيير والتجديد والحركة واستعادة النشاط، وعندما يتجاوز الجسد الخمسين وتتنازعه الأفكار والذكريات والتساؤلات، ويفقد الأقران والأحبة، فسيجد حينئذ علاجه وسعادته وراحته واستعادته لشبابه وقوته في زيادة جرعات القراءة ولقاء الاصدقاء والسفر وتأمل الطبيعة والعبادة وزيارة الأرحام واستثمار الفرص التي يفاجئنا بها الأحبة، كتلك التي جاءتني على شكل هدية ثمينة من الأخ والصديق العزيز خلفان الرشيدي، عندما اتصل بي مبادرا ومقترحا عليَّ صحبته وعدد من الأصدقاء، لزيارة “البرتغال وإيطاليا” وهما إمبراطوريتان ظهرتا في عصرين بينهما مراحل زمنية طويلة، فغربت شمسهما بعد أن أفسدتا في الأرض وقهرتا الشعوب والأوطان ونهبتا الثروات فخضعتا واستكانتا أخيرا للضعف والانكماش وانتهى دورهما الاستعماري ليسلما الراية لمن انتصر في معركة الصراع، جريا واستسلاما لقانون الحياة والتاريخ والزمن، وكان للعُمانيين شرف طرد البرتغاليين وتطهير البلاد العربية والإفريقية من أطماعهم وهيمنتهم وشرورهم وبلائهم، فلم يعد لهم من بعد ذلك الانتصار العُماني الساحق من مكان على أرض البسيطة إلا ما لهم من حق داخل حدود بلادهم فقط. بعد اتصال الرشيدي السار استحضرت تلك المقولة المعبِّرة، من “أن السفر مع صديق، والتخلي عن حياتي، لسوف يفيدني إلى حدٍّ بعيد، وسيزودني مع ذلك بفرح عام في المستقبل، وبدافع إلى أن أبقى واقفا، لدحر الوجع…” لحظتها دبَّت في نفسي الحيوية والبهجة وشعرت بالإثارة والنشاط وخلعت ثوب الكسل والخمول، فالأسماء التي سأرافقها أشعر معها بالألفة والود والراحة والحرص على تعميق العلاقة والترابط وتتميز بروح الدعابة والقدرة ـ دون تكلف ـ على صناعة النكتة، هذا فضلا عن سعة الثقافة وتنوع المعرفة والخبرة الطويلة في الحياة، وقد جمعتنا مؤسسة الشورى في رحابها سنوات تشربنا في قاعاتها واجتماعاتها وأعمالها قِيَم الديمقراطية والممارسات البرلمانية وربطتنا بعلاقات وثيقة مع شخصيات عُمانية تُمثِّل الوطن شرقه وغربه. والوجهة المقترحة “البرتغال وإيطاليا”، وهما وإن أفلت شمسهما قبل قرون طويلة من اليوم، وحلت محلهما قوى عديدة، ولكن ظلت الصروح والآداب والآثار شاهدة، وتطورات العصر وتحوُّلاته وازدهاره ماثلة في امتزاج بين الماضي السحيق وفترات تشي بعصور مختلفة، والحاضر الذي قدم أوروبا بجمال طبيعتها وفتنة معمارها وتنوع مدنها وقراها وبقيمها الديمقراطية التي أعادت للإنسان دوره في المشاركة “الفعالة بجميع مظاهر الحياة في المجتمع…”، وتجسدت في مبادئها حقوقه في الحريات والتعبير واحترام الكرامة والتي تبلورت في شكل تشريعات وقوانين، واحتضانها وتشجيعها للتقدم العلمي والمعرفي والازدهار الإنساني… وقد تصادف هذا المقترح في وقت كنت قد أنهيت فيه قراءتي لرباعية “إيلينا فيرانتي” “صديقتي المذهلة” التي وصفت كاتبتها كـ”واحدة من أعظم روائيات زماننا”، والرواية بأنها “تحفة بكل ما في الكلمة من معنى”، فقد قدمت المجتمع النابولي الإيطالي، بكل شرائحه وتفاوتاته الثقافية والاجتماعية في قالب روائي شائق وسلس، أشبه بالحكواتي الشعبي، وقد نجحت الرواية في سبر أغوار شخصياتها والحفر والغوص في أعماق خباياهم وكشف أسرارهم والشعور بأوجاعهم والإحاطة بنوازع الخير والشر والمشاعر التي تكتسحهم فتؤسس لمقاصدهم وغاياتهم وتقود قراراتهم وأفعالهم… في لحظة من اللحظات وأمام تحوُّل من التحوُّلات وظرف فاصل في حياة إنسان، وأفصحت لقارئها بأن البشر هم البشر في اختلاف طبائعهم وتفاصيل ممارساتهم وتعاملاتهم اليومية، وفي أسلوب تفكيرهم ونمط معيشتهم وشكل نظرتهم إلى الآخر وأفعالهم التي تتأرجح ما بين خير وشر… أيا كان انتماؤهم العرقي والمكاني والثقافي والعقدي، فـ”ليس ثمة من كتب عن إيطاليا وأحاسيسها وأحيائها ومذاقاتها وعواطفها العنيفة مثلما فعلت فيرانتي”، وهذا النوع من الروايات يزيد القارئ شوقا وتعلقا ورغبة في زيارة واستطلاع المكان بكل تفاصيله وتقاطيعه وطبائع المنتمين إليه… ليكتمل المعنى وتتحقق المتعة في شموليتها والغاية في سموها المعرفي.