الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / نبض المجتمع: اندثار الخصوصية
نبض المجتمع: اندثار الخصوصية

نبض المجتمع: اندثار الخصوصية

د. خصيب بن عبدالله القريني:
تُمثِّل الجوانب الخاصة والشخصية في حياة الأفراد حدا مقدسا لا يمكن الولوج له والتعرف على مكنوناته؛ لأنه باختصار يُمثِّل الجانب الخفي الذي لا يرضى أي أحد منا أن يكشف للآخرين، إلا لأولئك الذين يثق فيهم ويكونون قريبا منه، وربما هي في النهاية فطرة إنسانية طبيعية تبدأ من الجوانب المادية المرتبطة بالجسم، وتنتهي بالجوانب النفسية المرتبطة بجوانب لا يمكن رؤيتها في شخصية الإنسان.
من هنا ومن وجود هذا الحجاب الذي يقيمه أي شخص لجوانبه الخاصة، وبحكم أن الإنسان مجبول على البحث عن كل ما هو مخفي، ورغبته في الاستكشاف حتى ولو كانت جوانب شخصية، وخصوصا لآخرين، ظهرت الإشاعات وأحاديث النميمة والغيبة في المجالس الخاصة، ثم تدرجت من المحيط الضيق إلى عالم أوسع، خصوصا إذا كان الشخص مشهورا، وكلنا نتذكر تتبع مختلف جوانب شخصية الأميرة ديانا مثلا عبر الصحافة الصفراء في بريطانيا، وكيف انتقل ذلك الهوس في التعرف على أخبارها وخصوصياتها إلى مختلف دول العالم، حتى لا تكاد تخلو الصفحة الأخيرة من كل صحيفة يومية من خبر عنها وعن مغامراتها، كما ألفت العديد من الكتب حول هذا الموضوع في حياتها وبعد مماتها، لدرجة أن هذا الأمر يعد سببا رئيسا في وفاتها.
إذن الطبيعة البشرية تميل فطريا للبحث عن خصوية الآخرين وتعده اكتشافا كحال الاكتشافات العلمية والجغرافية، وفي المقابل يحاول كل شخص فطريا أيضا أن يحافظ على خصوصيته حتى لا تنكشف أمام الآخرين، حيث هي سر من أسرار حياته لا يرضى أن يتم تداوله بين الناس مما قد يسبب له مشاكل لا حصر لها، وبين هذا وذاك عاشت البشرية ردحا من الزمن في لعبة القط والفأر، وبحكم عدم وجود وسائل نشر متسارعة كما هو الحال حاليا فإن الوضع كان طبيعيا.
إلا أن الثورة الصناعية الرابعة بكل إمكاناتها استطاعت أن تقلب المعادلة، وخصوصا في الشق الثاني. أما الشق الأول، المتمثل في رغبة الناس في التعرف على خصوصيات الآخرين، فقد تضاعفت وزادت وأصبحت معظم البرامج إذا لم تكن غالبيتها تنصب على هذا الموضوع، ولكن الغريب أن الإنسان الذي كان يحاول أن يحافظ على خصوصيته ويعدها أمرا مقدسا بدأ يتخلى عن هذا الجانب، ويسعى لاستغلال هذه الثورة التكنولوجية لكشف جوانبه الشخصية للعامة وعن طيب خاطر، بل ويتسابق في عمل ذلك وبشكل مباشر في تغير فطري صارخ، والسبب ـ كما هو واضح ـ يرجع في غالبيته للجوانب المادية، حيث كلما عرض إنسان حياته الشخصية للآخرين زاد عدد متابعيه؛ وبالتالي أصبح مشهورا، وبالتالي استطاع أن يقوم بعمل إعلانات دعائية يكسب من ورائها المبالغ الطائلة بعيدا عن قيمة المحتوى الذي يعرضه، حيث أصبحت صور الحياة الخاصة هي جواز العبور للشهرة، عكس ما كنا نراه سابقا، حيث يبزغ نجم أحدهم في مجال معيَّن ثم يبدأ الناس في محاولة لمعرفة حياته الشخصية، ويحاول هو جاهدا منعهم من ذلك، والأغرب من كل ذلك أن الكثير من الشركات العالمية كعملاق الهواتف الذكية (أبل) تحاول جاهدة أن تحافظ على خصوصية مستخدمي هواتفها بصورة واضحة وجلية، ويظهر ذلك من خلال مواقف معروفة حتى عندما تطلب منها الجهات الأمنية في الولايات المتحدة الأميركية معلومات لكشف جرائم معيَّنة إلا أن (أبل) تمتنع عن إمداد هذه الجهات بهذه المعلومات؛ بحجة أنها معلومات خاصة. وفي المقابل لا يهتم الأفراد بهذا الجانب بل يعدونه أمرا عاديا، فأصبحت الأمور متناقضة ما بين شركة تحاول أن تحافظ على خصوصية زبائنها وما بين أفراد لا يأبهون بذلك، بل ويتسابقون لكشف وفضح أنفسهم.
إن هذا التحوُّل غير المنطقي في هذا الجانب تحوُّل خطير تنعكس نتائجه سلبا على الفرد والأسرة والتي بدورها تؤثر في نسيج المجتمع بصورة لا تحمد عقباها، وما نراه حاليا من وجود لافت لهذه الظاهرة يحتم على الجميع الوقوف يدا واحدة لمواجهته، وربما تكون البداية من عدم متابعة هذه الحسابات التي لا تقدم مضمونا هادفا، بل لمجرد الاستعراض والتفاهة، كما يجب وضع القوانين الملزمة للجميع بحكم أن هذا مجال جديد نسبيا لا يحسن الغالبية استخدامه بعيدا عن مسألة الحرية التي تفقد مفهومها هنا. فالحرية لها ضوابط وشروط وإلا انعكس استخدامها سلبا على الجميع، وما الحملات التي بدأت تظهر في الفترة الأخيرة وعلى منصَّات هذا المواقع والتي تدعو لمقاطعة حسابات التافهين إلا دليل وعي بدأ ينتشر بين الناس، ومع مرور الوقت سيؤتي أكله إن شاء الله.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap