الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / دروس من الحرب الروسية الأوكرانية
دروس من الحرب الروسية الأوكرانية

دروس من الحرب الروسية الأوكرانية

محمد بن سعيد الفطيسي:
لا شك أن الحرب الروسية الأوكرانية أكدت من جديد على صعوبة التدخل المباشر للقوى الكبرى لحماية أو رعاية شركاء أو حلفاء لها في أي مكان من العالم إذا لم يكن أولئك الحلفاء أو الشركاء يشكلون بالنسبة لها أي ورقة رابحة أو يمثلون ما يمكن أن يدفع تلك القوى الكبرى لتعريض شعبها أو تعرضها لأي نوع من المخاطر الأمنية أو خسائر مصالح الجيوسياسية حتى وإن كان ذلك يمكن أن يعرض نفوذها المعنوي للإساءة أو يقلل من احترام العالم لها أو حتى يمكن أن يؤثر على سمعتها التاريخية.
الدليل على ذلك التعامل الأميركي الأوروبي مع الأحداث والحرب في أوكرانيا بالرغم من أن هذه الأخيرة قد وقعت مع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا ما أطلق عليه في حينه بمذكرة بودابست للضمانات الأمنية؛ المهم أن هذه الاتفاقية لم تحُلْ دون التدخل الروسي المستمر في أوكرانيا من جهة منذ ذلك التاريخ ولأكثر من مرة وعدم قدرة الولايات المتحدة على مواجهة روسيا بحزم أو قوة في مواجهة تلك الانتهاكات، ولهذا الأمر دلالات كثيرة لا تحتاج للكثير من الفهم ويؤيدها العديد من الأمثلة التاريخية المشابهة.
الحرب الروسية الأوكرانية من جهة أخرى أعادت النظر في العديد من قضايا الأمن والدفاع، خصوصا تلك الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية, يضاف إلى ذلك أنها فتحت الباب من جديد لمزيد من الاعتقادات الخاصة بأهمية الأسلحة النووية، أو الأسلحة المحرمة، خصوصا أن أوكرانيا تخلت عن ذلك النوع من الأسلحة لصالح روسيا مقابل ضمانات أمنية وقانونية لم تتحقق أو تصدق، بل يرى البعض أن تلك الاتفاقيات وذلك التخلي عن الأسلحة هو أحد أهم الأسباب الذي عرض الأمن والسيادة الأوكرانية للانتهاك، وهو جانب يعزز مواقف الدول الساعية للحصول على الأسلحة النووية مثل ما تفعل كوريا الشمالية اليوم، الأمر الذي سيشكل خطورة بالغة على الأمن الدولي في المستقبل.
يضاف إلى ذلك، ونتيجة لما سبق، فإن الحرب الروسية الأوكرانية قد تفتح الباب على مصراعيه لأفكار التوسع الاستعماري للقوى الكبرى في بعض مناطق النفوذ العالمي أو حتى تشجعها على احتلال دول ذات سيادة أو ربما تتخذ من شماعة حماية الأمن القومي أو النفوذ التاريخي أو استعادة بعض مناطق النفوذ المتمرد أو المستقل لأسباب تاريخية أو غير ذلك سببا لقيام بعض القوى الكبرى لإعادة النظر في قضايا مشابهة، كما هو الحال في القضية التايوانية مع الصين. في المقابل سيدفع الدول الصغيرة أو القوى ما دون الكبرى إلى التسلح الكمي والنوعي، في وقت يؤسف فيه أن القانون الدولي ومجلس الأمن يقف بكل صراحة في موقف العاجز المشلول عن اتخاذ أي إجراء من إجراءات الحماية والردع لتلك الدول التي انتهكت سيادتها وتعرض أمنها لمختلف أشكال الانتهاك.
أمر رابع في هذا السياق وهو طبيعة الدعم العسكري والمادي الكبير الذي تقدمه تلك الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لأوكرانيا لمواجهة التوغل وآلة الحرب الروسية، هل كل تلك المليارات هي للمساعدة الفعلية؟ أم وراءها أهداف استعمارية مستقبلية؟ تلك المليارات والأسلحة التي يزود بها الجيش والميليشيات في أوكرانيا تؤثر كثيرا على العمليات الروسية، ولكن إلى متى سيستمر ذلك الدعم؟ وما هو المقابل الأوكراني بعد انتهاء الحرب هذا في حال خسرت روسيا؟ أما في حال انتصرت روسيا بشكل أو بآخر فتلك المليارات فستكون في مهب الريح، فهل أوكرانيا تستحق ذلك بالفعل؟ أما وراء كل ذلك أهداف تتجاوز إضعاف روسيا وتعزيز القوة الأوكرانية؟
تعلمنا الحرب الروسية الأوكرانية أن الآثار الاقتصادية والأمنية، خصوصا التي تخلفها الصراعات دائما ما تكون عابرة للحدود، وأنه لا توجد دولة بعيدة عن الحرب، أو بمنأى عن تلك الآثار، بالتالي فإن تلك التبعات والنتائج المترتبة على تلك الصراعات تدفع إلى إعادة النظر في العديد من القضايا، خصوصا تلك المتعلقة بقضايا الأمن القومي مثل الأمن الغذائي وغيره، حيث يتم اتخاذ العديد من الإجراءات الداخلية في دول الصراع مما يؤثر على الدول الأخرى بشكل مباشر، مثل ما فعلت روسيا مع القمح والنفط، الأمر الذي نتج عنه تبعات خطيرة للغاية على العديد من دول العالم.
أخيرا وليس آخرا، تعلمنا من الحرب الروسية أن الغاية تبرر الوسيلة في قضايا الصراع والحروب، وأن الدول المتعرضة للانتهاك يمكن أن تفعل أي شيء للانتصار والفوز أو على أقل تقدير تعريض الطرف المقابل للخطر حتى وإن كان ذلك يمكن أن يعرض أمنها القومي للخطر، بل يمكن أن يعرض الأمن الدولي بأكمله للانتهاك والخطر طويل المدى كما فعلت أوكرانيا عبر قبول دخول العديد من الميليشيات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية أو المسلحة إلى أراضيها؛ بهدف القتال معها أو نتيجة اتفاق معها بمقابل، وهو أمر له ما بعده من التهديدات التي يمكن أن تعرض الأمن الدولي للخطر.
طبعا ما جاء في هذا المقال الموجز ليس إلا بعض الدروس المختصرة التي يمكن أن نتعلمها ونستفيدها من هذا النوع من الصراعات العابرة للحدود الوطنية، حيث توجد دروس كثيرة وعلى مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية التي يجب أن يتم دراستها وإعادة النظر فيها للحصول على نتائج يستفاد منها وتوصيات يعمل عليها.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap