الجمعة 30 سبتمبر 2022 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: الاستفزاز الإسرائيلي ورسائل المقاومة
شراع: الاستفزاز الإسرائيلي ورسائل المقاومة

شراع: الاستفزاز الإسرائيلي ورسائل المقاومة

خميس بن حبيب التوبي
ما يجري على أرض فلسطين المحتلَّة من عمليَّات بطوليَّة فلسطينيَّة ليس وليد السَّاعة، وإنَّما هو مشروع تحرُّر وطني يهدف إلى استعادة فلسطين والحقوق الفلسطينيَّة المسلوبة كُلِّها، فالشَّعب الفلسطيني منذ النَّكبة وحتى اليوم في رباطٍ في مواجهة عدوِّهم وعدوِّ الأُمَّة الإسرائيلي المحتلِّ، ولَنْ يكلَّ هذا الشَّعب أو يملَّ، ولَنْ يتوقف عن ما بدأه من نضال وطني، ولدَيْه الاستعداد الكامل لمواصلة إسالة أنهار التضحيات وتقديم مواكب الشهداء وصولًا إلى الهدف الأسمى وهو تحرير كُلِّ شِبرٍ مُغتصَبٍ من أرضه، وإخراس صوت الباطل وبوق الخذلان. وما يُعطي تمسُّكَه بأرضه وبالمقدَّسات قوَّة، ويغذِّي إرادتَه وصمودَه، هو الحقُّ المُبِين الشرعي والتاريخي بأنَّه صاحب الأرض الفلسطينيَّة، وليس طارئًا عليها أو مدفوعًا بأوهام وتلموديات مزيَّفة ومفتراة.
ليس غريبًا على شَعْبٍ تتوالى عليه النَّكبات ـ كما هو حال الشَّعب الفلسطيني ـ أنْ يجعل ممَّا قدَّم من دماءٍ وأنفُسٍ، وتضحيات ونضالات، ذخيرةً يلقم بها مدافع الحقِّ فيقذفها اليوم باتِّجاه ما يُسمَّى بالمُجتمع الدولي، وبالعالَم الحُرِّ، وباتِّجاه الحلفاء الاستراتيجيين لكيان الاحتلال الإسرائيلي الذين يدَّعون الدفاع عن حقوق الشُّعوب ومُناصرة حقوق الإنسان، ويتشدَّقون بالحُريَّة والذَّود عنها، وغير ذلك من الشِّعارات التي تهاوت وجرفها تسونامي مُخطَّط مطابخهم الاستخبارية وأطلقوا عليه زورًا “الربيع العربي”، ويتواصل سقوطها اليوم مع الأزمة الأوكرانية.
وتُعدُّ استعدادات الشَّعب الفلسطيني ومختلف فصائل مقاومته للرَّدِّ على المسيرة الاستفزازيَّة (مسيرة الأعلام الإسرائيليَّة) لليهود المتطرفين في قَلْب الحيِّ الإسلامي بالبلدة القديمة بمدينة القدس المحتلَّة، واحدةً من بَيْنِ رسائل الصَّدع بالحقِّ التي أراد الفلسطينيون إيصالها. ويُحيي هذا الموكب السَّنوي بالقدس قيام الكيان الإسرائيلي باحتلال المدينة القديمة في حرب عام 1967 ويجتذب الآلاف من المشاركين في شوارعها الضيِّقة والحجريَّة.
كما كان لافتًا عددُ العمليَّات البطوليَّة والفدائيَّة التي يقوم بها الأبطال الفلسطينيون في الفترة الأخيرة بعد معركة سيف القدس، لذلك مَنْ ينظر إلى مجمل العمليَّات الفدائيَّة والمعارك الاستشهاديَّة التي يخوضها المناضلون الفلسطينيون لَمْ تكُنْ بدافع إشباع غريزة القتل والتدمير وممارسة الإرهاب، وإنَّما بهدف صدِّ العدوان الهمجي الصهيوني، وإرسال رسائل للعالم أجمع، خصوصًّا لمُدِّعي حماية حقوق الإنسان والحُريَّات، تُؤكِّد حقَّ الشَّعب الفلسطيني في أرضه وإقامة دولته الفلسطينيَّة المستقلَّة عليها، وتُبيِّن ما يتعرَّض له من احتلالٍ جائرٍ وحصارٍ ظالمٍ، على عكس العدوِّ الإسرائيلي الغاصب الذي يمتاز بشهيَّةٍ مفتوحة لمُمارسة جرائم الحرب والإرهاب والعنصريَّة والاستيطان والإعدامات الميدانيَّة، وهَدْم المنازل الفلسطينيَّة على رؤوس ساكنيها، واغتيال الأطفال والنساء واستهداف المقدَّسات الإسلاميَّة والمسيحيَّة، والاستيلاء على الموارد المائيَّة والغذائيَّة، وتدمير الشواهد التاريخيَّة والتراث الإنساني العربي والإسلامي، وخنق المواطنين الفلسطينيين عَبْرَ الحصار، وتقييد حُريَّة حركتهم، وشنِّ حملات الاعتقالات التعسُّفيَّة، وانتهاك حقوق الأسرى وغير ذلك من الجرائم.
وما يُؤسف له هو أنَّه رغم رسائل الحقِّ الفلسطينية هذه التي يُوالي الشَّعب الفلسطيني إرسالها من العُمق الفلسطيني المحتلِّ والضفَّة الغربيَّة المحتلَّة ومن قِطاع غزَّة إلى ما يُسمَّى بالعالَم الحُرِّ وما يُسمَّى بالمُجتمع الدولي، لا يزال الفلسطينيون يواجهون العنَت والصَّلف وجميع صُوَر العنصريَّة والإرهاب والتنكيل، وجرائم الحرب، والنظر إلى هذه الرسائل على أنَّها “إرهاب” وليست دفاعًا عن النَّفس والعِرض والأرض، وأنَّها لَمْ تأتِ تعبيرًا عن حجْم الضَّيم والجَوْر الذي يتعرَّض له الشَّعب الفلسطيني صباح مساء.
إنَّ إدارة الظهر لجرائم الحرب والإرهاب الإسرائيليَّة التي تُرتكب بحقِّ الشَّعب الفلسطيني، وعدم الالتفات إليها، وتصنيفها من قِبَل الحلفاء الاستراتيجيين لكيان الاحتلال الإسرائيلي بأنَّها “دفاع عن النَّفس”، وكذلك عدَم الاعتراف بمُجمل الحقوق للشَّعب الفلسطيني من شأنه أنْ يدفع الشَّعب الفلسطيني إلى الإتيان بكُلِّ الوسائل التي يُمكن أنْ تردع المحتلَّ وتمنعه عن جرائمه.
ومن البدَهي أنْ لا يظلَّ الفلسطينيون وكُلُّ الشرفاء في هذا الوطن العربي وفي العالَم مكتوفي الأيدي تجاه ما يحصل من تنمُّر وتنصُّل وصَلَف وجَوْرٍ مدعوم من قوى الاستكبار العالمي، لذلك أنْ يتنادى أبطال المقاومة في هذا الإقليم لبناء استراتيجيَّة ردٍّ موحَّدة تجاه أيِّ عدوان إسرائيلي وانتهاك للمسجد الأقصى أو أيِّ مساس بقادة المقاومة ورموز النِّضال الفلسطيني سيُواجَه بكُلِّ ما تمتلكه المقاومة من وسائل ردٍّ، فإنَّ هذا تحوُّلٌ في مَسِيرة المقاومة، وسيَكُونُ له أثَرُه الكبير في قادم الأيَّام، وسيُغيِّر الكثير من المعادلات، وسيُسهم بصورة أو أخرى في بروز نظام دولي جديد يشهد الجميع اليوم إرهاصات ولادته، فأصابع المقاومة على الزناد.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap