الجمعة 9 ديسمبر 2022 م - ١٥ جمادى الأولى١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: خصوصية المباني السكنية على المحك.. عشوائية التخطيط وعبثية التنفيذ
في العمق: خصوصية المباني السكنية على المحك.. عشوائية التخطيط وعبثية التنفيذ

في العمق: خصوصية المباني السكنية على المحك.. عشوائية التخطيط وعبثية التنفيذ

د. رجب بن علي العويسي:
في حضرة الخصوصية تغيب التأويلات وتضعف الاختلافات وتتفاعل أجندة الطرح، فهي مشترك إنساني وفطرة بشرية سوية، وإذا كانت المنازل والمساكن بطبيعتها وجدت لاستقرار الإنسان وأنسه وهدوئه وراحته وسعادته وحمايته وأمنه وأمانه، فإن الإبقاء على خصوصيتها لم يعد اليوم حالة مزاجية ولا ترفا مجتمعيا، بل ضرورة أخلاقية وخيار أصيل يؤسس لنهضة المجتمعات وقوة بنيانها وحماية أعراضها، إذ لم تعد الخصوصيات مجالا للمساومة عليها ولا مساحة لتفسيرها حسب الأمزجة، وفي ظل هذه الأثناء تشكل مسألة خصوصية المنازل والمباني السكنية إحدى القضايا المقلقة التي بات يطرح المجتمع حولها الكثير من التساؤلات والنقاشات في إشارة واضحة إلى أن خصوصية المنازل والمباني السكنية باتت على المحك، ولم تعد قضية بيت أو أسرة واحدة بقدر ما هي قضية مجتمعية، الأمر الذي بات يُمثِّل تهديدا لخصوصية الناس في مساكنهم من خلال ما تتيحه من سهولة الكشف عن مرافق المنزل ومحتوياته الخارجية، وصعوبة خروج الأسرة من المنزل في فضاءات المنزل الداخلية، واستخدام التجهيزات المتاحة بأريحية مثل أحواض السباحة أو الجلسات العائلية في الساحة الخارجية، ولم تعد من خصوصية للداخل والخارج نتيجة وجودها بين البنايات والعمارات ذات الطوابق المتعددة، الأمر الذي يفرض على المخططين والمنفذين وراسمي السياسات العمرانية والمعنيين بالشأن العقاري في السلطنة في إيجاد حلول جذرية لهذه الظاهرة والتبعات الاجتماعية والقانونية الناتجة عنها مستقبلا في ظل حالة اللامبالاة التي يمارسها البعض في التعاطي مع هذا الأمر في ظل فراغ الضوابط القانونية والتشريعية وغياب الضمير والحس الأخلاقي لدى البعض الآخر، أو لما تعانيه بنية العقار الحالية من ضيق المساحات الداخلية، خصوصا في الفلل السكنية وفرضية استيعاب المخطط الواحد بسعة 600م لأكثر من فلة، في ظل انتشار البيوت التجارية، لتشكل البلكونات والشرفات المفتوحة أحد أهم مرافقها.
على أن طرح موضوع الخصوصية ذاته لا يمكن اختصاره في نمط معيَّن أو التعبير عنه في حالة واحدة، إذ المسألة لا تقتصر على البلكونات والشرفات والنوافذ الواسعة المفتوحة، رغم أنها تُمثِّل عنق الزجاجة في قراءة هذا الملف، ولو عدنا لأساس المشكلة وسبب اتساع تأثير هذه الظاهرة في المجتمع، لوجدنا بأن أساس المشكلة يرجع إلى تراكمات التخطيط العشوائي الذي انتهجته الجهات المعنية على مدى عقود سابقة، وأسهم في إنتاج مثل هذه الممارسات على الأرض دون مراعاة للبُعد القيمي والاجتماعي وخصوصية الثقافة المجتمعية باعتبارها أساسا في عملية التخطيط، ولعل ذلك يرجع إلى كون المخططين في فترات زمنية معيَّنة هم من غير العمانيين، الأمر الذي استشكل عليهم مسار هذه الثقافة واستحضارها في التخطيط العمراني والبناء الحضري للمدن، أو قد يرجع إلى مسار المتابعة من الجهات المعنية، الأمر الذي انعكس على مستوى الالتزام باتباع الشروط والأسس في المخططات السكنية والتجارية وغيرها، وتبقى عشوائية التخطيط أكبر التحديات التي واجهت التخطيط السريع للمدن والأحياء السكنية، إذ كان الأمر يتجه إلى الإسراع في منح الأراضي السكنية أكثر من الاهتمام بالعمليات الفنية الداخلية ذات الصلة أو توفير الخدمات لهذه المخططات الجديدة، الأمر الذي أسهم في نزوح العمارات والبنايات ذات الطوابق المتعددة ودخولها في حرمات الأحياء السكنية، هذه الممارسات العشوائية مع فراغ الضوابط والمتابعات والاجتهادية فيها، والقصور في إدراك مفهوم أعمق للذائقة الجمالية عامة والذائقة الأخلاقية والخصوصية، أوجد مساحة لنمو هذه الظواهر والتي بدأت تظهر معاناة الأسر لها اليوم مع ازدياد حجم الأسرة والكثافة السكانية في بعض الأحياء والمدن وتغير ثقافة الجيل الحالي حول بعض الثوابت المجتمعية، هذا الأمر يدخل فيه أيضا تدني مستوى الاستفادة من هُوية المباني والحارات السكنية العُمانية في البناء الحديث التي أعطت لمسار الخصوصية حضورا في أروقتها رغم تزاحم البيوت والمساكن فيها، أو قد يكون نتاج لمساحة الاجتهادية من المخططين والمنفذين والاستشاريين، الأمر الذي انعكس على مستوى لمكاتب الاستشارات الهندسية في التعاطي مع مفهوم الخصوصية وإثباته في تصميم المباني السكنية وغيرها، كما أن حالة القصور في مسار التطوير العقاري، وتطبيق نماذج المباني السكنية على الطراز غير العربي مثلا، بدون محاولة التجديد فيه وإعادة هندسته بما يتناغم مع الخصوصية الوطنية، يضاف إلى ذلك أن أغلب المباني السكنية المنفذة على الأرض إنما هي نماذج طبق الأصل لمجمعات سكنية في الفنادق والشقق الفندقية والمجمعات السياحية المغلقة أو المفتوحة التي قد لا تعطي جانب الخصوصية ذات الاهتمام، في الوقت الذي فرض فيه مسار التخطيط العمراني ومساحة الأراضي، ومسألة التطوير العقاري وتداخل البنايات التجارية مع الأحياء السكنية، وقلة وجود المسافات البينية، والمساحات المخصصة لمواقف مركبات القاطنين في هذه البنايات، أو اشتراط وجود طوابق سفلية (البيسمنت) لوقوف المركبات، واستحواذ مركبات القاطنين في البنايات التجارية والسكنية على الطرقات الداخلية أمام البنايات والمحال التجارية بصورة مستمرة، دون مراعاة لخصوصية أو استشعار لحجم الانزعاج الذي يعانيه السكان من وجود هذه الأبنية والمحلات التجارية في الأحياء السكنية، وما نتج عنها في ظل الافتقار إلى جانب الخصوصية من أنها شكلت ازدحاما مروريًّا في مداخل ومخارج الأحياء السكنية، وهروبا من ضيق الشوارع الداخلية وازدحامها يتجه مستخدمو المركبات إلى اختصار الوضع وعبر الدخول في الأحياء السكنية، الأمر الذي أسهم في ازدحام مروري مستديم وزيادة في كثافة المركبات المستخدمة للأحياء السكنية، ناهيك عن حجم التعقيدات التي تمارس من قِبل الجهات المعنية في حالة الرغبة في القضاء على المشكلة، مما أعطى صورة أكثر ضبابية حول موقع الخصوصية في أجندة التخطيط عامة وإجراءات التعامل اليومي بالمؤسسات.
وبالتالي ما يطرحه هذا الأمر من دور الجهات المعنية (بلدية مسقط، وزارة الداخلية ممثلة في الشؤون البلدية، وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ومكاتب الاستشارات الهندسية، والاستراتيجية العمرانية) في التعاطي مع معطيات هذا الواقع وإعادة تنظيمه وضبط الانحرافات الناتجة عنه بما يحافظ على هذه الخصوصية والذائقة القيمية في تصميم المنازل والموافقات على الخرائط الإسكانية والتجارية، من تساؤلات ونقاشات وعلامات استفهام كبرى حول دور الجهات المعنية بالتصاميم والخرائط الإسكانية والبلدية في مراجعة وتقييم هذا الأمر بما يستدعيه ذلك من تشريعات وضوابط ومراجعات، تبدأ بمراجعة عمليات التصميم الداخلي والخارجي في المساكن والمنشآت الحكومية والمؤسسات من حيث الواجهات الخارجية والنوافذ والبلكونات والأبواب وحديقة المنزل والأحواض المائية وغيرها مما يعطي هذه الخصوصية حضورها الواسع في هندسة التطوير العقاري المتكامل للمبنى السكني، بالشكل الذي يقلل من تأثير هذا السلوك على جودة الحياة العامة والاستقرار العائلي، ويحافظ على مستوى العلاقات الاجتماعية والأسرية، بالإضافة إلى أهمية البحث عن الأبعاد الاجتماعية والأسرية والأمنية الناتجة عن هذه الظاهرة واتساعها، خصوصا في ظل ظهور أنماط حديثة من المباني التجارية والسكنية بما تتميز به من نوافذ واسعة وبلكونات كبيرة وشرفات متعددة، حتى أصبحت في إطلالتها على مساكن الآخرين تُمثِّل تحديا له تبعاته الأخلاقية والقيمية والتشريعية والقانونية والذوقية، إذ تقف هذه الحالة كأحد الأسباب في توتر العلاقات بين الجيران والاتهامات وسوء الفهم وحالة عدم الرضا التي ستنعكس سلبا على مستقبل العلاقات الاجتماعية ومساحات التواصل بين أبناء المجتمع والثقة بين أبنائه، والتزام المحددات والأطر والضوابط الفنية للبناء السكني واستحضارها في هيكلة المباني السكنية، ومراعاتها للأبعاد والشروط الاجتماعية التي تحافظ على أصالة المجتمع العُماني ومنظومة العادات والتقاليد والثوابت التي تؤطر لهذا الموضوع، وإثباتها في معايير وتصاميم المبنى السكني أو المجمعات السكنية أو العمارات والمباني ذات الطوابق المتعددة وغيرها، ووضعها ضمن الشروط الأساسية وإلزام المقاول والمالك بتنفيذها حسب المخطط المعتمد، وسن الغرامات المالية في حالة عدم التزام المنفذ بها، إذ من شأن هذه الإجراءات الفنية أن تسهم في إعادة تصحيح الممارسات الحاصلة، وإعادة التصميم الخارجي للمباني السكنية والتجارية والمجمعات السكنية بحيث تحافظ على مستوى الخصوصية مع الاستمرار في إبراز النسيج الحياتي للمدن العصرية الذكية والتنظيم العمراني الذي يستوعب احتياجات الإنسان ويلبي متطلباته ويعترف بحقوقه في الحصول على بيئة إسكانية هادئة تحفظ على مساحة أكبر من الخصوصية وتحقق معايير جودة الحياة له، مستفيدا من كل الفرص المتاحة والتثمير فيها لمزيد من الأمن والاستقرار والعيش الكريم.
أخيرا، يبقى طرح خصوصية المباني السكنية بكل تفاصيلها، حديثا ذا شجون وأمام مداولات، وتباينات في وجهات النظر، واختلافات في آلية التفسير والتعاطي مع هذا الأمر، خصوصا أنه نتاج مرحلة غاب فيها بُعد النظر، وتأثير الفوضى التخطيطية والتي نلمسها اليوم في مستوى العبثية واللامبالاة على الأرض من مخططين لم يطبِّقوا الأسس السليمة في التخطيط الحضري الحديث رغم توفير كافة الإمكانات والموارد المالية لعمل مخطط عمراني راقٍ يستطيع النمو لسنوات طويلة، ويبقى الجانب الأكثر إزعاجا في الأمر ليس في حجم النوافذ في الفلل السكنية، بل في استمرار التخطيط العشوائي في العبث بمواردنا الوطنية، ومقوِّماتنا العمرانية وذائقتنا المعمارية، تفصح عنه حالة التداخل في المخططات الصناعية والتجارية والبنايات متعددة الطوابق لتزحف داخل المخططات السكنية بدون وجود مسافة فاصلة تعطي الخصوصية للمساكن، حتى أصبحت خصوصية المباني السكنية تراكمات لفوضى التخطيط، وعبثية المخططين، وغياب الضمائر الحية، والذمم التي تراعي حقوق القاطنين في هذه المنازل؟.. نظريا قد يكمن الحل في إيجاد هذه المساحة الفاصلة وهي عبارة عن متنزهات ومتنفسّات ترويحية داخل الأحياء السكنية، ونماذج تجميلية تفصل بين المخططات أو تتعايش معها للخروج من أزمة الفلل والشقق الخانقة، ولكن هل يمكن واقعيا إعادة التخطيط العمراني الحضري لما هو قائم في المدن والأحياء السكنية بالمحافظات للوصول إلى تحقيق نسبة حضور لهذه الخصوصية؟

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap