الإثنين 15 أغسطس 2022 م - ١٧ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (5ـ8)
تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (5ـ8)

تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (5ـ8)

سعود بن علي الحارثي
خامسا: فلورنسا.
غريبة هذه البلاد، تغرينا بلطافة طقسها المعتدل، وهوائها العليل، فتشجعنا على الاستغناء عن المعاطف والملابس الثقيلة، معتقدين بأن مهمتها قد انتهت فنرميها في قاع الحقيبة، وسرعان ما نكتشف بأن الأمر لا يعدو أن يكون خدعة بعد أن ينقلب صفاء السماء فجأة إلى غطاء سحابي محمل بالأمطار الغزيرة ورياح باردة تحطم عظام الإنسان وتبقيه مرتعدا يهرع من جديد إلى ارتداء معاطفه الجلدية الثقيلة لساعات، فيصفو الجو من جديد وتسطع الشمس وترتفع درجة الحرارة حد الانهاك. هذا التحوُّل السريع في درجات الحرارة عانينا منه كثيرا، خصوصا في هذا الوقت من السنة في أوروبا. تعد “فَلُورَنْسَة أو إِفْلُورَنْسَة أو فلورنسا، مدينة في الجزء الشمالي من وسط إيطاليا، عاصمة مقاطعة فلورنسا وإقليم توسكانا وهي أكبر مدنه وأكثرها سكانا وأهمها تراثا تاريخيا وفنيا واقتصاديا وإداريا”، وفقا للتعريف الذي ورد في موقع “ويكيبيديا”، وحلت محل “روما” كعاصمة لإيطاليا في العام “١٨٦٥”، ومارست دورها المركزي لمدة ست سنوات، عرف عن الفلورنسيين الشجاعة والإقدام والنضال والتضحية في سبيل نيل بلادهم الاستقلال والتخلص من الاحتلال والهيمنة، فقلدوا “نشان الشجاعة العسكرية”، خلال الحرب العالمية الثانية. وتوصف مدينة “فلورنسا بأنها مدينة الجمال الساحر، ومهد الفن والعمارة الإيطالية منذ عصر النهضة الأوروبية، وموطنا للأطعمة الشهية والأزياء الفاخرة الجميلة والمناظر الطبيعية الخلابة”، وواحدة من أجمل وأهم مدن العالم. ويشطرها نهر “أرنو”، إلى مدينتين القديمة والحديثة، باعثا فيهما الحياة والجمال والأمل، يربط بين الشطرين عشرات الجسور أبرزها جسر “بونتي فيكيو”. بعد ساعات تشبعت الأجواء فيه بالدفء وحرارة الشمس، تخلصنا من المعاطف وملابس الصوف الثقيلة والمقيدة نوعا ما للحركة والمشي السريع، وبتنا أكثر سعادة وحرية وقدرة على التطواف والاستمتاع بجمال مدينة “فلورنسا”. ومن الاستحالة بالطبع الإحاطة بالمعالم والصروح والآثار التاريخية ـ السياحية، في مدينة كبيرة، تتفرد بالثراء العمراني والثقافي، والأزقة والحارات القديمة، والميادين والساحات المفعمة بالنشاط والحركة والحياة التي تدب في شرايين جسدها، والأسواق النشطة ومباني الكنائس والكاتدرائيات وأقواس النصر التي تقدم العصور التاريخية والأحداث والتحوُّلات التي شهدتها المدينة، لذلك اضطررنا لحجز جولة في الحافلة السياحية لمشاهدة أكبر قدر من معالم المدينة، بدأ من “قوس النصر” فشارع وساحة “الحرية” التي تضم مقبرة “حرب فلورنسا” لمن قتلوا في الحرب العالمية الثانية، فمبنى “الأرشيف الوطني”، ذاكرة المدينة وتاريخها الذي أنقذ من فيضان ١٩٦٦م، مرورا بالحي الدبلوماسي المخصص لسفراء الدول، عندما كانت “فلورنسا” عاصمة لإيطاليا. ومن أمام منزل العالم الشهير “جاليليو”، حيث كان يرصد حركة الشمس والكواكب، ويجري تجاربه ويسجل اكتشافاته ويقر نظرياته، أخذنا الحافلة السياحية إلى عشرات المعالم والصروح التاريخية من مثل الجسر القديم “بونتي فيكيو” الذي يزدحم بالباعة والمشترين والسياح، ومحال الحلي والجواهر التي تُعد امتدادا لعائلات تجارية لها جذورها التاريخية الموغلة في القدم. ويُعد أهم معلم سياحي في “فلورنسا”، والمتاحف الفنية وأشهرها “أوفيزي جاليري” الذي افتتح في العام ١٥٨١م، وكاتدرائية “سانتا ماريا”، رابع أكبر كاتدرائية في العالم، المسجلة ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي، وقصر “فيكيو” الذي بني قبل أكثر من ٧٠٠ سنة، ومعظم المعالم والصروح التاريخية الدينية والثقافية والسياسية، بنيت في عصر أسرة “ميديشي” التي حكمت خلال القرون من الرابع عشر وحتى السادس عشر الميلادي، ويظل برج الجرس “جيوتو” وقصر “بيتي” التاريخي، والمبنى القديم الذي طبعت فيه أول عملة نقدية، وساحات “ديل رومو” ومايكل انجلو” و”ديلا سينيوريا”.. من المزارات السياحية التي تُعد رمزا للمدينة وتعرف بها. ساحة “ميشيلا نجيلو” أو الشرفة المفتوحة، التي تطل من التلال على مركز المدينة ومعالمها وصروحها التاريخية ونهرها الغزير بالمياه النقية، اضطررنا للصعود إليها مشيا على الأقدام، لنتمكن من التقاط الصور التذكارية من مواقع بانورامية لا يمكن تفويتها، واستثمار الحدائق المعلقة وجمال المكان وشلالاته وإطلالاته الخلابة في المشي وإضفاء المزيد من البهجة على النفس. يوم الأربعاء الموافق الحادي عشر من مايو ٢٠٢٢م، خصَّصناه لزيارة أولا: مدينة “لوكا” الغنية بمبانيها التاريخية العريقة التي فلتت من عوائد الزمن ونجت من مهلكات الحروب وعبث البشر، وبقيت سليمة محافظة على شكلها منذ أن تم بناؤها في العصور الوسطى وحتى اليوم، وهي عاصمة مقاطعة “لكة” وتشتهر بخصوبة أرضها وإنتاجها الزراعي الغزير، وتقدم لزائريها تشكيلة من الكنائس والأديرة والأسوار والأبراج والميادين العامة وتماثيل المشاهير والقصور الفخمة… التي تشكل بحق لوحة فنية لا تضاهى في جمالها وإتقانا برع فيه الإنسان، ومن أشهرها كاتدرائية “لوكا” التي شيدت في العام ١٠٦٣م. ثانيا: مدينة “بورتوفينو”، التي تكتسب أهميتها وجمالها من إطلالتها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وشهرة أهلها في صيد الأسماك، وخصوبة أرضها وإنتاجها المتنوع والوفير من الفواكه والخضراوات بأنواعها، ومؤشر ذلك محال الفواكه المنتشرة في المدينة، ومعالمها السياحية عالية القيمة مثل قلعة “براون” ومنارة “بورتوفينو”… وفتنة مبانيها وأزقتها وميادينها التي تتوسطها تماثيل عدد من الشخصيات المؤثرة في تاريخها مثل “فيتوريو أمانويلي الثاني”، أول ملك لإيطاليا الموحدة في ١٧ مارس ١٨٦١م، و”كريستوفر كولومبوس” المعروف، فيما تعد المقاهي والمطاعم الحديثة، التي تطل على الشاطئ معلَمًا مُهمًّا من معالم المدينة السياحية، فالمقاهي التي تفترش الساحات والميادين العامة والأزقة والردهات والزوايا التي تمتد كأذرع الأخطبوط التي تربط أطراف المدينة أو القرية بمركزها، بما تقدمه من أقداح القهوة بأنواعها ونكهاتها، وأشكال من المخبوزات الطازجة والحلوى اللذيذة… من متع السفر الكثيرة وجزء أساسي من الثقافة العصرية، لذلك لا نفوت فرصة زيارة مدينة أو معلَم تاريخي أو قرية سياحية، إلا وننتقي أجمل المقاهي وأفضلها موقعا لاحتساء القهوة وتناول الفطائر وقطع الحلوى التي تشكل جزءا من الثقافة المحلية. ثالثا: في الطريق من “ليفورنز” إلى “فلورنسا”، تقع المدينة التاريخية “بيزا”، وهي من الأهمية السياحية والقيمة التاريخية بحيث يصعب تفويت زيارتها مهما بلغ التعب من أجسادنا مبلغه، فبرج “بيزا” المائل، تحفة فنية يتطلع ويتمنى ويسافر لمشاهدته ملايين السياح من جميع أنحاء العالم، وهو درة الصروح الإيطالية، ويأتي في قائمة الأفخم والأكثر استقطابا وبذخا ومدعاة للإعجاب والإدهاش، من حيث متانة وقوة وعظمة العمارة الأوروبية، والتوقف كثيرا أمام التفاصيل الدقيقة للأقواس والأعمدة والتماثيل والنحت والنقوش المؤطرة، التي تحفز على طرح التساؤلات بشأن هذه الفخامة والأبهة وقوة وإرادة الإنسان الذي أقام هذا الصرح قبل أكثر من ٨٠٠ عام، ولا يزال محتفظا بهيئته وجماله وفتنته، والذي يصل طوله إلى نحو “ستة وخمسين مترا”، ويحتاج السائح إلى صعود “٢٩٧” درجة للوصول إلى الطابق الأعلى منه، وقد تمكنا بحمد الله أنا والصديق سعيد الكندي، من بلوغ قمته بنجاح، والتقطنا عشرات الصور التذكارية من مواقع بانورامية مذهلة تضعنا أمام معظم المعالم والمتاحف والميادين والكنائس والكاتدرائيات والقصور القديمة للمدينة، بما في ذلك معمودية “بيزا” وكاتدرائية “سانتا ماريا اسونتا” وقصر “دي كافا ليري”، بعد ذلك أخذنا جولة سياحية في أزقة وأسواق وميادين “بيزا” التي كل ما فيها يشد النظر ويسلب العقل. محطات القطارات في المدن الأوروبية عالم مثير للاهتمام، يستحق التأمل والقراءة، تصوير دقيق لعصر العولمة، مورد مالي تستفيد منه قطاعات وآلاف العائلات، وسيلة نقل نشطة وفاعلة تخدم مئات الملايين من البشر حول العالم، تثري وتحفز الأنشطة التجارية والسياحية وقطاعات الأعمال، تضخ القطارات وتمتص أفواجا هائلة من البشر، الذين يتوافدون على المدن، عمالا وموظفين وباحثين عن فرص عمل، سياحا وتجارا وباعة ومتسوقين… تتقاطع الأهداف والغايات، وتتباين السحنات والأعمار والانتماءات، وتختلف الوجهات والتطلعات، يتساءل الإنسان وهو يشاهد الوجوه المغادرة من محطات القطارات، من أين جاء هؤلاء وإلى يتوجهون؟ بماذا يفكرون وما هي تطلعاتهم ومقاصدهم؟ وإلى أين ستأخذهم طموحاتهم؟ يدقق في السحنات والملامح والتقاطيع، فيهم المسن ومنهم الشاب، الطفل، والرجل والمرأة، الصيني والهندي والعربي والأوروبي والأميركي والتركي والإيراني، فما الذي جمعهم في هذا المكان؟ تقرأ في الوجوه غضبا، حزنا، مرحا، صرامة، لطفا، إحباطا، تفاؤلا، صمتا، ثرثرة مع الآخر، أو في الهاتف… وأخرى لا تشي بشيء ولا تقدم أي قراءة، فلا يمكن تصنيفها وتحديد طبيعتها وخصيصتها، في هذا الجمع نرى البشر ونتعرف على العالم ونقرأ التفاصيل، ونكتشف حقائق وإجابات، ونتبين التحوُّلات التي يشهدها العالم وانعكاساتها على الإنسان… فيا لجمال المدن وفوائد السفر الكثيرة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap