الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (7ـ8)
تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (7ـ8)

تحررنا من قيود (كوفيد19) فعدنا إلى فضاءات السفر (7ـ8)

سعود بن علي الحارثي
سابعا: روما.
مدينة روما التي تجسد التاريخ الأوروبي، وترتبط ارتباطا وثيقا كذلك بتاريخ الإنسان، وامتزجت في أحضانها حضارة امبراطوريتين “الإغريقية والرومانية” كانت منذ زمن ضمن المدن المهمة التي أتطلع إلى زيارتها، ووضعتها في برنامج تطوافي، وقد آن لهذا الحلم أن يتحقق، فروما يمتد تاريخها إلى أكثر من “ألفين وخمسمائة عام، فقد كانت عاصمة المملكة الرومانية، وتعد أحد أماكن ولادة الحضارة الغربية والجمهورية الرومانية والإمبراطورية الرومانية التي كانت القوة المهيمنة في أوروبا الغربية والأراضي المطلة على البحر الأبيض المتوسط لأكثر من 700 سنة منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن السابع الميلادي. ومنذ القرن الأول الميلادي وروما مقر للبابوية وبعد نهاية الهيمنة البيزنطية في القرن الثامن، أصبحت عاصمة الدولة البابوية والتي استمرت حتى عام 1870. في عام 1871، أصبحت روما عاصمة لمملكة إيطاليا، ثم عاصمة الجمهورية الإيطالية عام 1946. وبعد العصور الوسطى، حكم روما الباباوات مثل ألكسندر السادس وليو العاشر والذين حولوا المدينة إلى واحدة من المراكز الرئيسية لعصر النهضة الإيطالية إلى جانب فلورنسا”. وقد تغنى بها وعشقها الشعراء والفلاسفة والأدباء والساسة وقالوا فيها ما لم تنَلْه مدينة أخرى من الإطراء والمديح والتعلق. وتأكيدا وتدليلا على القيمة التاريخية والسياحية لروما مقارنة بغيرها، فسوف أعرض لبعض ما جمعته عنها “رحلة العمر الخيالية التي ستأخذك في عالم الأحلام وأنت مستيقظ هي رحلة الذهاب إلى روما”، “المدينة الساحرة المتميزة والأنيقة بجوهرها الخاص هي روما”، “عندما تذهب إلى روما ستنسى اسمك لأنها مدينة من وحي الخيال”، “تتميز روما دائمًا بجمال أخَّاذ ينسيك بقية العالم”، “الكولوسيوم في روما حكاية من حكايا الزمان وتهويدة من تاريخ الأيام وبسمة من مشارق الحياة”، “هل سمعت عن مكانٍ أثري يعود تاريخه إلى القرن السابع ما قبل الميلاد أو عن مكان يضم قصرًا وقوسًا ومعبدًا وصرحا وآثارًا قديمة عتيقة مميزة، إنه طريق ساكرا يوجد به أقدم الأشياء والمباني العتيقة الراقية المذهلة وهو الطريق الرئيسي للمنتدى الروماني هذا المكان مثلَ مكتبة تاريخية يحكي لك تاريخًا بأكمله بجولة واحدة، الاستمتاع مع زيادة الثقافة هو من أكثر الأشياء الجميلة في روما”، “هي مدينة الأصداء، مدينة الأوهام، ومدينة الحنين”، “لقد تغيرت إيطاليا لكن روما هي روما مدينة التاريخ والأساطير وحكايا الخيال الخرافية موطن للجمال والسحر مدينة العراقة والأناقة لا يوجد مكان مثلك يا روما”، “روما هي عاصمة العالم! في هذا المكان، يرتبط تاريخ العالم كله، وأنا أعتمد على ولادتي مرة أخرى، على أن أرتقي حقًّا، وهو اليوم الذي دخلت فيه روما. رفعتني جمالها تدريجيًّا إلى ارتفاعها”. مبنى الفاتيكان بساحته الخارجية وكنائسه وقاعاته وقببه وسرادقه وممراته ومتاحفه وغرفه وملاحقه الكثيرة، الواسعة والطويلة التي يسير فيها الإنسان لساعات دون أن يبلغ الأجزاء البسيطة منها، هي أشبه بمتاهة يدخلها السائح فيتوه في دهاليزها وردهاتها وسلالمها ومعالمها بعد أن ينهكه التطواف ويهده التعب الشديد، وللتعرف على دلالات ومعاني ورموز وأسرار كل لوحة ونقش وتمثال ونحت وقطعة رخام وصورة ورسم وخريطة وتحفة فنية… التي تحتشد بها الجدران والأسقف والزوايا فسوف يحتاج الزائر والباحث والمستطلع أياما من الشرح والفهم للإحاطة والاستيعاب. إنه لأمر مذهل ويدعو إلى الحيرة والتفكر في هذه الفنون واللوحات التعبيرية التي تعرض لتاريخ المسيحية والعصور الزمنية التي مرَّت بها، والتحوُّلات في محتوى ومضمون العقيدة الكاثوليكية خاصة، والمحطات السياسية والفكرية، وتصوير ونحت وتخليد ذكرى أهم وأبرز الشخصيات الدينية والسياسية ورموزها بما في ذلك الشخصيات البابوية… فالفاتيكان تعد مركزا “للقيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية”، وتضم متاحفها وأرشيفها على “أرقى المنتجات الفنية للجنس البشري على مر العصور”، وهي الدولة الوحيدة المدرجة بكاملها في لائحة اليونيسكو بوصفها “واحدة من أهم مواقع التراث العالمي”، ويتكون مبنى الفاتيكان من “القصر الرسولي” مقر إقامة البابا وجهاز الدولة الإداري، ومتاحف ومكتبة وساحة القديس بطرس وكنيسته… وأرشيف سري، لا شك بأنه يحتوي على أسرار الكثير من الفضائع التي ارتكبتها المؤسسة البابوية في حق شعوب ومفكرين وعلماء، وفي مقدمتها الحروب الصليبية التي شنت على المسلمين بدعوة وتحريض منها، وأعمال “فرسان المعبد المعروفة”. وعندما أنظر وأقيم هذا الإفراط في البذخ والترف الذي صاحب بناء الكنائس والكاتدرائيات والأديرة ومقار العبادة على مدى قرون طويلة، والذي يزيد ويتسع تماديه، والتنافس الشرس في إسناد الأكبر والأفخم والأكثر عظمة وقوة وبهرجة وقدرة على البقاء لمئات السنين، وحشدا للنقوش والتماثيل والأعمدة والأقواس الرخامية والثريات والأثاثات الفاخرة وطلاء القبب بالذهب… التي تكلف ثروات طائلة تكفي لإعاشة شعوب وتحقيق تطلعات ملايين البشر وتوفير الحياة الكريمة لهم… والتي لا غاية لها ولا مقصد سوى تخليد ذكرى النظام السياسي أو الحاكم والملك، وإبقاء اسمه توثقه الصروح الدينية المهيمنة على المشهد العمراني في بذخها ومتانة بنائها، والباعثة بصور مشرفة عن رعايته ودعمه للعقيدة، وإيمانه بالدين ومحققا رضا رجاله الأتقياء، وعندما تعيش المؤسسة الدينية وزعماؤها وأتباعها في بحبوحة العيش والثراء المادي وتنفق على نفسها ورجالها الأموال الكثيرة… أتساءل: هل ينسجم هذا العمل مع مقاصد وغايات الدين، الذي ما نزل إلا من أجل إسعاد الإنسان وإصلاح شأنه وتحقيق العدالة والمساواة ومحاربة الفقر والظلم والفساد؟ ألا تضخ المؤسسات الدينية الأخطبوطية ورجال الدين والحكومات الأموال الضخمة لبناء مقار العبادة بهذه البهرجة التي نشاهدها، فيما يرزح عشرات الملايين من البشر التابعين لذات الدين والعقيدة تحت وطأة الفقر والفاقة؟ من أين أتت وانبثقت ثقافة هذا البذخ وتخصيص الثروات غير المحدودة والإنفاق المفتوح لإنشاء وعمارة دور العبادة بغية تخليدها وربطها بالمؤسسة أو العائلة الحاكمة والامبراطورية والحضارة والقوة السياسية المهيمنة؟ وهل يحتاج البشر إلى كنائس وكاتدرائيات وأديرة تحتشد بالنقوش واللوحات الفنية المذهبة والمزخرفة بأجود أنواع البناء من الخشب والرخام والزجاج واللآلئ والنحت وتخليد الشخصيات… بغرض تأسيس رمز ومعلم وصرح يبز كل ما عداه في الدولة؟ كيف نربط بين قِيَم التواضع والبساطة والزهد والتقوى والتقشف التي تحتويها وتدعو إليها مواعظ ورسائل ونصوص رجال الدين، وسير الأنبياء والصالحين، ومحاربة كل أشكال البهرجة والإسراف والتباهي وأشقاء الناس وتسخيرهم… والتي تشكل جوهر الأديان ومحتوى رسالتها من جهة، وبين ما نراه من بهرجة وبذخ وتزيين وتفخيم أماكن إقامة الشعائر الدينية، التي يمكن قضاؤها حتى في غرفة النوم وتحت شجرة وفي دير متواضع جدا من جهة أخرى؟ ولماذا تأثرنا نحن المسلمين اليوم بهذه الظاهرة، فأصبحنا نرى ونسمع ونقرأ عن إسناد وبناء وافتتاح أضخم وأكبر جامع ومسجد هنا أو هناك، باسم ثري وملك وأمير وحاكم بل وحتى مسؤول فاسد نهب المال العام فاغتنى منه، يحتوي على أجود الزخارف والنقوش وأضخم الثريات وأغلى الفرش، ومواد البناء من الرخام والأخشاب التي تتطلب موازنات ضخمة؟ ألم تكن مساجد المسلمين وفي مقدمتها مسجد الرسول صلى الله عليهم وسلم متواضعة جدا ومن مواد البناء العادية للغاية، الطين وسعف النخيل؟ فما هي الحجج والمبررات التي استندنا إليها في بذخ المساجد وأماكن العبادة، وملايين المسلمين في أنحاء العالم يحتاجون إلى الغذاء والماء والتعليم والعلاج والحياة الكريمة؟ فهل الأولوية في إعاشة هؤلاء الفقراء، أم في بناء المساجد بهذه الفخامة والأبهة لتصبح مزارات سياحية تجاوزت المنطق والمقبول؟ “روما” كلها كنز تاريخي مثير، تحتشد بالصروح الحضارية والمعالم السياحية والقصور الفخمة المذهلة، والمدافن والمدن القديمة التي ما زالت التنقيبات وعمليات البحث المتخصصة تكشف عنها وتعلن عن آثار هائلة تحت الأرض، معظمها من العصر الروماني والعصور الوسطى، وعندما كنا نخوض في وسط حشود بشرية بمباني الفاتيكان، وبعد أن غادرناه ونحن في طريقنا إلى مواقع أخرى في الخريطة السياحية، تنفسنا الصعداء ظنا منا أن عدد السياح سيكون أقل هناك، وقد خاب اعتقادنا، فروما كما عايشنا المشهد على حقيقته، مقصد سياحي بارز، وملايين البشر يتوافدون عليها من أنحاء العالم، فهي درة الكنوز الأثرية، وما تمتلكه من مفردات السياحة الثمينة، المذهلة والمدهشة لا يملكه غيرها، وهذه شهادة أسجلها استنادا إلى ما رأيته وشاهدته، فقد كانت طوابير الناس وأفواج السياح تتحرك من موقع أثري إلى صرح حضاري إلى مدينة رومانية قديمة، إلى كنيسة لها رمزيتها الدينية… وكانت تلك الحشود تعيق تحركنا وتؤخرنا عن هدفنا، ولكن لا خيار لنا إلا مزاحمة الأقدام بالأقدام، واختيار أهم وأبرز المواقع والمعالم السياحية على أقل تقدير لزيارتها والاطلاع على قيمتها التاريخية، فاستقصاؤها والإتيان عليها كلها من المستحيلات؛ كونها تتطلب أسابيع من الإقامة في روما وهذا مما لا نستطيعه لأسباب وظروف كثيرة، فالممالك والأسر القوية القديمة تركت للإيطاليين ثروة عظيمة، يستثمرونها اليوم لتعظيم مواردهم المالية. مدرج “كولوسيوم” واحد من عجائب الدولة الرومانية الذي ما زال قائما ينتصب في مركز “روما” كالوحش الكاسر بطوابقه الشاهقة، وشرفاته المتقنة والواسعة، وجدره الخارجية المبنية بالطوب الأحمر التي تكاد تلامس السحاب، وأعمدته الرخامية المتينة، وأحجاره الضخمة، وهيئته الدائرية، ومدنه التي تقع أسفله وكشفت عنها التنقيبات الحديثة، وكنا في جولتنا الاستقصائية نتوقف أمام تلك الأعمدة والجدران وندقق النظر في ذلك البذخ وعمليات الاستحكام وجبروت بناء هذه الصروح وعظمة وإبداع الصناع والمهندسين المعماريين، والسعة في المال الذي بلغ شأوا وازدهارا بأن مكن الإمبراطورية الرومانية من بناء هذه المدن والميادين بأبهة لا مثيل لها، وكنا نتساءل كيف رفعت هذه الأعمدة والأحجار الهائلة الضخمة، وصقلت لتصبح بهذه النعومة، وثبتت بهذه الدقة، وقطعت لتكون متقنة متناسقة، وطوع الرخام وعجن فيقدمه الفنانون والصناع الماهرون بهذه الهيئة من تماثيل ونقوش ورسوم وصور لها رمزيتها ودلالاتها التاريخية والثقافية والدينية والسياسية؟ وما هي الأدوات والوسائل التي تمتلكها الدول والممالك العظيمة في العصور القديمة حتى تتمكن من تحقيق هذه الإنجازات الفريدة المعبِّرة عن عبقرية وكفاءة عالية؟ وكيف تهيأ لها كل هذا العدد من المهندسين المعماريين والفنانين والعلماء والمفكرين والبنَّائين الذين أتقنوا كل هذه الأعمال الفنية المذهلة والمحيرة على السواء؟ وهل تستطيع حضارة عصرنا إقامة مشروع بهذه الفرادة فتضمن خلوده لألفي عام؟ وكيف تمكن المسلمون على قلة عددهم وضعف إمكاناتهم وعهدهم القريب بالإسلام من تمزيق إمبراطورية بهذه القوة، ودعاماتها وأساساتها متينة صلبة متغلغلة في معظم بقاع الأرض تمتلك الجيوش الجرارة والثروات الضخمة والخبرات المتراكمة عبر قرون من الزمن؟ إنه الإيمان العميق برسالة الإسلام لا تعادله قوة ولا صلابة ولا إرادة، ولا تقف أمام عزيمة رجاله الجيوش، مهما بلغت شأوا وعظمة وعدة وعتادا، وللتاريخ قانونه الثابت، وللحضارات زمن ينتهي، تتلاشى قوى وتتجلى أخرى لتحل محلها، والأمم التي تنهض وتنجح وتسود هي تلك التي تستوعب الدروس العميقة. مدرج “كولوسيوم” يبلغ طوله ١٨٩ مترا، ويرجع تاريخ بنائه إلى عهد الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي”، وتسبب زلزال ضرب روما في القرون الوسطى، بتحطيم الكثير من أجزائه. المبنى الأثري الآخر الذي سعدنا بزيارته، “البانثيون”، ويعود تاريخه لعام ٢٦ ميلادي، وكان “معبدا لجميع آلهة روما القديمة ويضم منحوتات ومنقوشات على جدرانه”، وهو أفضل المباني الذي لا يزال يحتفظ بهيكله دون ضرر أو تخريب في أي جزء من أجزائه منذ العصر الروماني، ويشي كغيره إلى الفخامة والجمال والجلال. نافورة “تريفي”، ساحة “نافونا”، “السلالم”، الإسبانية، المنتدى الروماني، مررنا عليها الواحدة تلو الأخرى، أما مدينة روما القديمة بأعمدتها الرخامية وقصورها المبنية من الطوب الأحمر، فهي كذلك من عجائب ما تركه الرومان للبشرية من عبقرية أعمالهم. وفي روما الكثير مما يستحق زيارته واستكشافه.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap