الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / حذار التجويع والتعطيش
حذار التجويع والتعطيش

حذار التجويع والتعطيش

«وإذا ما كانت دعواتنا إلى التركيز على الأمن الغذائي والأمن المائي قد ذهبت سدى مع الريح، فإن تجربة أوروبا اليوم مع إنتاج الحبوب الروسية والأوكرانية إنما تدفع بالحكومات في الدول العربية إلى اتخاذ كل إجراء مبرر للتحوط والاحتياط من حال خطير»

ليس من قبيل المصادفة أن يطلق أهلنا في جمهورية مصر العربية (وفي سواها من دول شمال إفريقيا العربية) لفظ “عيش” على الخبز: فاللفظ يدل على أهمية الخبز لوجود الحياة واستمرارها: فهو “العيش” حرفيًّا على مستوى البشر بشكل خاص.
لذا، تنبهت العقول العسكرية خلال مراحل الحرب والصدام إلى مفارقة شريرة، لا إنسانية مفادها توظيف الخبز (التجويع) سلاحًا من أجل هزيمة العدو.
وإذا ما حفلت صفحات التاريخ البشري بعشرات النماذج لاستعمال “الحصار الغذائي” و”الحصار المائي” لتحقيق أهداف عسكرية، فإن ما يجري الآن في الحرب الروسية على أوكرانيا دليل إضافي على إمكانية “تسليح” weaponizing الغذاء بتحويله إلى سلاح فتَّاك، سلاح يحيي ويميت. وإذا لم نكتفِ بقصص تركيع مدن زاهرة ودول عظمى بواسطة التجويع والحصار (كما حدث لعاصمة الخلافة العباسية، بغداد، على أيدي قائد المغول التتار، هولاكو خان، سنة 1259)، حرمان العالم (خصوصًا دول الفوائض السكانية) من الحبوب الأوكرانية، كالحنطة والشعير، إنما يجسد خطورة “الأمن الغذائي” الذي طالما تحدثنا عنه، بقدر تعلق الأمر بـ”ركاكة” العالم العربي في هذا المضمار، خصوصًا وأنه يعتمد معظم سكانه على المستورد من الغذاء عبر البحار السبعة من أجل أن يبقى على قيد الحياة!
وإذا ما كانت دعواتنا إلى التركيز على الأمن الغذائي والأمن المائي قد ذهبت سدى مع الريح، فإن تجربة أوروبا اليوم مع إنتاج الحبوب الروسية والأوكرانية إنما تدفع بالحكومات في الدول العربية إلى اتخاذ كل إجراء مبرر للتحوط والاحتياط من حال خطير لا تحسد عليه شعوبنا العربية (التي لا تأكل مما تزرع) إذا ما حرمت من إمدادات الغذاء والماء والدواء كذلك.
ولنا في تجربة العراق والحصار الذي فرض عليه بعد حروب الخليج البينات المرعبة على ما يمكن للجوع أن يفعله في بلد خيرات يسقيه نهران عظيمان (كدجلة والفرات). كما أن تاريخ العالم العربي المعاصر يزخر بنماذج جوع وتجويع التي غالبًا ما أدت إلى تركيع شعوب عزيزة وكريمة، تتمتع برباطة جأش عالية، لبالغ الأسف!
والحقُّ، فإن للمرء أن يزعم الآن بأن على الحكومات، سوية مع المؤسسات الإقليمية العربية، دراسة مكامن الضعف والهوان وثغرات الغذاء والماء التي تعاني منها أغلب دولنا العربية، الواحدة تلو الأخرى، وذلك على سبيل التعامل مع مكامن الضعف وسد الثغرات القاتلة، تجنبًا لما حدث لدولة عربية غنية كالعراق، حال حرمانها من مواردها المالية التي كان يبتاع بها الغذاء قبل مرحلة الحصار المدمر التي قادت بعض الناس إلى بيع حتى شبابيك وأبواب دورهم من أجل رغيف الخبز!

أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap