الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / يا ابن الستين .. أنت لست مسنا
يا ابن الستين .. أنت لست مسنا

يا ابن الستين .. أنت لست مسنا

يا ابن الستين أعلم أن الخوف من الكبر يسيطر عليك، أعلم أن القلق يضطرم في صدرك كلما دونت يوما من الشيخوخة، وأوقن حق اليقين أنك تخشى أن تلقب بلقب (مُسن)، فتظهر عليك أعراض الكبر: فيتحول لون شعرك من اللون الأسود إلى اللون الأبيض!!! تكسو التجاعيد وجهك، وينحني ظهرك، ويضطرب صوتك، ويضعف نظرك، وترتجف أطرافك، بل تصبح غير قادر على الاعتماد على نفسك، وتكثر حاجتك لمساعدة الآخرين، وتقضي وقتا طويلا في المستشفيات تتنقل من عيادة إلى مختبر إلى غرفة أشعة، وتمتلئ أدراج غرفة نومك بعلب الأدوية، ويقل صبرك وتحملك للضغوط النفسية، وتنزعج من صراخ ولعب أحفادك، وتزداد محاولاتك لإثبات الذات وفرض الرأي، وتزداد حكاياتك عن أمجادك السابقة حتى يملك من حولك. وتظل تلاثي شبابك مرددا قول أبو العتاهية:
بكيت على الشباب بدمع عيني:
بَكيتُ عَلى الشَبابِ بِدَمعِ عَيني
فلَم يُغنِ البُكاءُ وَلا النَّحيبُ
فَيا أَسَفا أَسِفتُ عَلى شَبابِ
نَعاهُ الشَيبُ وَالرَأسُ الخَضيبُ
عَريتُ مِنَ الشَبابِ وَكانَ غَضًّا
كَما يَعرى مِنَ الوَرَقِ القَضيبُ
فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا
فَأُخبِرُهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ.
لا تقلق يا ابن الستين، فأنت لم تصبح شيخا بعد، فما زلت تعتمد على نفسك، وما زلت تحافظ على جزء كبير من صحتك، فاطمئن فإنك لم تدخل مرحلة الشيخوخة بعد، بل دخلت مرحلة جديدة وهي: مرحلة الاتزان والحكمة، إذ ما زلت تتمتع بقواك الجسدية والعقلية.
والواقع أن أعراض سن الشيخوخة قد تأخر في السنوات الأخيرة في العديد من الدول، لا سيما دول الخليج العربي، حيث لوحظ تأخر ظهور أعراض الشيخوخة، من سنِّ الخمسين إلى سنِّ الخامسة والسبعين، كما لوحظ ارتفاع معدل الأعمار لدى الرجال والنساء حتى وصل في العديد من دول الخليج العربي إلى سنِّ الثمانين لدى الرجال والخامسة والثمانين لدى النساء، ويرجع هذا التغير إلى التطور في الرعاية الصحية وتوفير الخدمات الطبية والرعاية الأولية، وزيادة الوعي الصحي لدى الناس، كالاهتمام بالرياضة، والاهتمام بالتغذية الصحية، والفحوصات الدورية التي تؤدي إلى اكتشاف تلك التغيرات مبكرا مثل أمراض الضغط والسكر، وبالتالي علاجها وتغير نمط حياة المُسن للوقاية من آثار تلك الأمراض، لذا فتجد غالبية من وصل إلى الخامسة والسبعين يتمتعون بنشاط وقدرة على العمل والعطاء، كما تجدهم قادرين على خدمة أنفسهم بأنفسهم، لذا أرى أنه يمكننا إضافة مرحلة جديدة إلى مراحل حياة الإنسان وهي: مرحلة الاتزان والعطاء. وأقصد بمرحلة الاتزان والعطاء هي مرحلة جديدة تضاف لمراحل عمر الإنسان نظرا لارتفاع معدل الأعمار وتحسن المستوى الصحي للإنسان، وهي تبدأ من سنِّ الستين إلى سن الخامسة والسبعين، ففي هذه المرحلة ما زال الإنسان قادرا على العطاء والإنتاج، والاعتماد على نفسه؛ نظرا لتحسن جودة حياة المُسن، بالرغم من ظهور بعض أعراض الشيخوخة التي لا تؤثر على نشاطه، وهي مرحلة تقع بين مرحلة متوسط العمر ومرحلة الشيخوخة.
والفرق بين مرحلة الاتزان والعطاء ومرحلة الشيخوخة:
تبدأ مرحلة الشيخوخة من سنِّ الخامسة والسبعين وحتى نهاية العمر، حيث تبدأ في هذه المرحلة أعراض كبر السنِّ التي تعيق الإنسان عن الإنتاج والعطاء، وتقل قدرته على الاعتماد على نفسه. وتكثر ملازمته للفراش. ويحتاج لرعاية طبية مستمرة، وبالتالي فإن الفرق بين سنِّ الاتزان والعطاء وسنِّ الشيخوخة يكمن في مدى تحسُّن جودة حياة كبير السنِّ، وقدرته على الاعتماد على نفسه وقدرته على المشاركة في المجتمع.
إن هذه المرحلة هي مرحلة ذهبية، فعشها كما يجب، ولا تصير من نفسك مُسنًّا، فما زلت قادرا على العطاء، ويتميز عطاؤك بالخبرة والحكمة والاتزان، فلا تضيع أوقاتك، واستغل أيامك في الإنجاز وخدمة الناس، فالفراغ عدوك اللدود، فاشغل وقتك في إنجازات، وليكن لك طموح وآمال… ودمت سالما.

نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
najanahi@gmail.com
Najwa.janahi@

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap