الثلاثاء 29 نوفمبر 2022 م - ٥ جمادى الأولى١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / فن إدارة الموهبة
فن إدارة الموهبة

فن إدارة الموهبة

«.. أساطين الموسيقى والغناء في الوطن العربي والعالم، نشأوا في ظروف اجتماعية واقتصادية شديدة الصعوبة، ولكنهم استطاعوا التغلب عليها وشق طريقهم بنجاح بفضل المناخ العام ووجود من ساعدهم وأخذ بأيديهم فنيا واجتماعيا..»

في أوروبا والدول المتقدمة، هناك شركات علاقات عامة، يلجأ إليها مشاهير الفن والغناء ونجوم كرة القدم، لتتولى إدارة أعمالهم، ومساعدتهم في الظهور بأحسن صورة أمام الرأي العام، وتجنبهم الوقوع في تصرفات وحماقات وزلات لسان قد تجر عليهم أزمات فنية أو مساءلات قانونية، مقابل الحصول على نسبة معتبرة من دخل المطرب أو الممثل أو لاعب الكرة، كما تقوم هذه الشركات بتقديم الدعم الفني والنفسي للنجم وتوجيهه إلى الطرق التي يثقل بها موهبته ويزيد تألقه، كما تتولى إدارة حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، والرد على الأسئلة الصحفية، والقيام بحملات الدعاية والإعلام المصاحبة لأعماله الجديدة، وتوفير المناخ المثالي للنجم للتفرغ لتطوير نفسه والتقدم في مجاله، دون أن يستنزف وقته وجهده، في قضايا شخصية أو ملاسنات إعلامية، تخصم من رصيده لدى الجماهير، وتؤثر على سمعته وأدائه الفني.
عندنا في عالمنا العربي، لا يتوافر هذا النوع من الشركات، كما لا يهتم كثير من الفنانين بضرورة وجود مدير لأعماله. ومؤخرا صدمتنا إحدى المطربات الشهيرات، والتي للأسف تمتلك موهبة غنائية رائعة، ولكنها لا تستطيع السيطرة على تصرفاتها، فخرجت في أحد البرامج الليلية، تخوض في أسرار حياتها الشخصية، وتستخدم لغة سوقية وألفاظا خادشة للحياء، تضعها تحت طائلة القانون، لاقترافها جريمة السب والقذف في حق زوجها أو مطلقها.
برر البعض تصرفات المطربة الطائشة، بالمستوى الاجتماعي المتواضع الذي نشأت فيه، وعدم حصولها على القدر الكافي من التعليم، ولكني أختلف كليا مع هذه المبررات، وأرى أن السبب في المستوى السلوكي المتدني لبعض الفنانين الموهوبين، هو غياب القدوة وتواصل الأجيال وعدم وجود من يأخذ بأيديهم ويرشدهم إلى الطريق المستقيم.
فأساطين الموسيقى والغناء في الوطن العربي والعالم، نشأوا في ظروف اجتماعية واقتصادية شديدة الصعوبة، ولكنهم استطاعوا التغلب عليها وشق طريقهم بنجاح بفضل المناخ العام ووجود من ساعدهم وأخذ بأيديهم فنيا واجتماعيا.
فموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب نشأ في أسرة فقيرة بحي باب الشعرية، لأب كان يعمل مقيم شعائر في مسجد الشعراني، واقتصر تعليمه على حفظ القرآن الكريم في الكتاب، والذي هرب منه بعدما اختطفته نداهة الفن، واكتشف أحد المتعهدين حلاوة صوته، فأغراه بقروش معدودات لمرافقته للغناء في الموالد والأفراح وهو طفل هزيل لم يكمل العاشرة من عمره، والتقاه أمير الشعراء أحمد شوقي صدفة يغني بين الفصول بإحدى المسرحيات، فنهر صاحب الفرقة، وطلب من حكمدار القاهرة الذي كان حاضرا منع غناء الأطفال، وإرغامهم على العودة إلى مقاعد الدراسة، كما كان يحدث في أوروبا التي سبقتنا في حظر عمل الأطفال، ونصح الطفل عبدالوهاب بتكملة دراسته والتوقف عن الغناء حتى ينضج ويكتمل صوته.
أخذ عبدالوهاب بنصف النصيحة، والتحق بمعهد الموسيقى، ولكنه ظل يتكسب من الغناء ليسدد مصاريف الدراسة، ويؤمن لنفسه المأكل والمشرب، حتى تعدى سن العشرين والتقاه أمير الشعراء مرة ثانية، وأعجب هذه المرة بصوته بعدما صقلته الدراسة وأنضجته التجارب، وقرر تبنيه فنيا وإنسانيا، وانتقل للعيش معه في قصره كرمة ابن هانئ، وجلب له الخبراء والمدربين، ليعلموه فنون الإتكيت، وكيف يأكل بالشوكة والسكين، وكيف يتحدث وكيف يختار ملابسه، وعلمه اللغة الفرنسية، لغة الفن والجمال والطبقة الراقية في ذلك الوقت، واصطحبه معه إلى لندن وباريس ليستمع إلى الأوبرا ويطلع على الموسيقى الغربية والكلاسيكية، وخلال الفترة التي قضاها عبدالوهاب في منزل أحمد شوقي، تغيرت شخصيته تماما وتحول لأحد أبناء الطبقة الراقية، فتعرف في صالون أمير الشعراء على أساطير الثقافة؛ العقاد وطه حسين والمازني، وكبار السياسيين سعد زغلول وأحمد لطفي السيد ومكرم عبيد، ثماني سنوات قضاها عبدالوهاب في بيت أحمد شوقي، أضافت إليه الكثير، وجعلته ينطلق في مسيرته الفنية ويصبح رائد التطوير الأول للموسيقى العربية في العصر الحديث.

محمد عبد الصادق
Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap