الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / الشمال التركي .. فتنة الطبيعة وحفاوة الإنسان «3ـ3»
الشمال التركي .. فتنة الطبيعة وحفاوة الإنسان «3ـ3»

الشمال التركي .. فتنة الطبيعة وحفاوة الإنسان «3ـ3»

«.. مثل تركيا يحتاج إلى جهد ضخم وعمل مضاعف وموارد مرتفعة وعقود من البناء وتنفيذ المشاريع ليتمكن من تنفيذ برامج تنموية تتميز بالشمولية والتقدم والنمو، ولا شك أن ذلك في طريقه للتحقق».

في اسطنبول اضطرتنا الإنفلونزا الحادة، والسعال الشرس المتحكم في الصدر، إلى زيارة عيادة خاصة، هي أشبه بمستشفى صغير، دفعنا في مقابل الكشف الطبي والفحوصات والحقن واستنشاق البخار لمعالجة الاحتقانات… لثلاثة أفراد، ولمدة يومين حوالي ٤٠ ريالا عمانيا، وهي أقل بكثير عن تكلفة العلاج في العيادات الخاصة في عُمان والخليج. الطبيب في العيادة ومعاونوه والكوادر الأخرى، لا يتحدثون إلا التركية، أو أنهم لا يرضون بغيرها بديلا، فكانت وسيلة التفاهم معهم برنامج “جوجل” الذي يترجم من العربية إلى التركية والعكس، لشرح الأعراض المحسوسة وخلاصة التشخيص ونوع العلاج وكيفية استخدام الأدوية، ويشتكي الكثيرون من العرب عائق اللغة مع الأتراك، خصوصا في مدينة إسطنبول ومحيطها، فيما يتساءل المرء: كيف تمكنت تركيا من تعريب التعليم بمناهجه ووسائله ومستوياته وتخصصاته العلمية والدقيقة، وبناء وتهيئة الكوادر الفنية في مختلف المجالات، فيما فشلنا نحن العرب رغم إمكاناتنا الكبيرة؟ وكيف فرطنا بلغة العرب والإسلام والقرآن، كتاب الله العظيم الذي يقرأه ويتبرك به مئات الملايين من البشر حول العالم، لصالح اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات في التعليم والعمل والسفر… وباتت لغتنا تئن من التهميش والخذلان المتواصلين، وتراجع مكانتها وتحميلها ما لم تحتمل من أنها غير قادرة ولا تستطيع مسايرة العلم والتقدم الذي يشهده العصر؟ إنها بحق مأساة نتحمل نحن العرب مسؤوليتها، فيما الأمم الأخرى تعتز بلغاتها عمق ثقافتها وتاريخها والحفاظ على كيانها وموروثها، وفخر وجودها، والشاهد على نجاحها وتقدمها وازدهارها. المرأة في تركيا ـ رغم الحرية التي تمتلكها في اختيار لباسها دون إلزام وقانون يبيح ويجرم ـ إلا أنها انتصرت للحجاب، إلا الاستثناء، فيرى الزائر للمدن التركية وأسواقها والساحات والحدائق والأماكن العامة… أفواج النساء الشابات والعجائز وقد زين الحجاب رؤوسهن، تأكيدا على احترام الدين وتعاليمه الأصيلة، فلا غرو أن ينتصر الشعب التركي لحزب “العدالة والتنمية” ذا الجذور الإسلامية ويحدث انقلابا على القِيَم العلمانية، ويجهز ديمقراطيا على حكم المؤسسة العسكرية وقبضتها الحديدية التي استمرت لعقود، وأرادت أن تجعل من تركيا نسخة من فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا… متناسين أو متجاهلين الجذور الإسلامية الراسخة، وقرون من احتضانها للزعامة أو الخلافة الإسلامية وانضواء الدول العربية كولايات تابعة للدولة العثمانية في اسطنبول. المساجد في تركيا لها مكانة عالية جدا، كمؤسسة إسلامية دينية، تعرف بالإسلام أولا، وتعبر عن عظمته وعالميته وإنسانيته، وقدرته على التواصل مع البشر إلى ما شاء الله، وصلاحيته لكل زمان ومكان. وتؤرخ، ثانيا، لجذور الدولة الإسلامية في تركيا وامتدادها التاريخي وما بلغته من شأو ورفعة وازدهار، واستثمارها السخي في بناء المساجد. وتشير، ثالثا، إلى فن العمارة التركية المتفرد والمتميز، فالمساجد بروعة بنائها وجمال عمارتها وضخامة منابرها وقببها ومآذنها الشامخة، والبذخ الفني والجمالي… تحولت إلى جزء من حياة الإنسان التركي المسلم، وتشير إلى ارتباطه بالإسلام الذي شكل محورا وأساسا لتركيبة المجتمع الاجتماعية ونظامه السياسي، وكانت الأعراف والتقاليد والقِيَم ومحتوى الثقافة التركية صورة معبرة للجذور التي بلغتها رسالة الإسلام وإيمان الأتراك العميق بالدين العظيم الذي كان حاضنة لأعظم الإمبراطوريات، الدولة “العثمانية”، الممثل الرسمي للإسلام لعدة قرون من الزمن، فكان الإرث الحضاري والمجد التاريخي لتركيا يدين بشكل أو بآخر للإسلام، فلا غرو أن تنتشر المساجد بهذا الثراء والجمال والقوة في جميع المدن والقرى والحارات السكنية، وأن يصدح الآذان بأصوات شجية تبثه المنابر في الفضاء الواسع، فتريح النفس وتعيد إليها الراحة والطمأنينة والبهجة والسكينة، التي تتسرب فتمتزج بالمشاعر وتلامس شغاف القلوب، وتعمق الإيمان وتذكر بمقاصد وغايات الرسالة التي تحتويها الكلمات ويرددها المؤذن خمس مرات في اليوم، ومصالح الإنسان ـ دون شك ـ في مقدمة تلك المقاصد. تصميم مطار “ريزة” ـ المدينة التي أمضى فيها الرئيس التركي “طفولته المبكرة” عندما كان والده يعمل هناك ـ ذا طابع مميز يجمع بين العصرنة وأناقة العمارة الإسلامية، بسيط ومريح، خالٍ من التعقيدات وتكلف العمارة في فخامتها وبذخها، ويحتشد باللمسات الجمالية التي تعكس نمط وروح الحياة وتقاليد الإنسان في ريزة. سوق السفر عبر خطوط الطيران الداخلي، نشط جدا، وحركة المسافرين من وإلى المطارات التركية تكاد تشغل معظم إن لم يكن جميع المقاعد، فعدد السكان المتنامي وقوة الاقتصاد وازدهار السياحة وموقع تركيا الاستراتيجي جميعها ترفع من نسب الموارد وتنشط الأسواق والقطاعات والأنشطة المختلفة. الحياة المعيشية ونفقة السائح وفقا لما لمستها في أسعار الفنادق والمطاعم والمقاهي وزيارة المعالم السياحية والنقل ـ الذي يوفر خيارات واسعة ـ معقولة جدا وأقل بكثير عنها في عُمان ودول الخليج، كما أن أسعار البضائع والسلع الأخرى مريحة جدا للمواطن الذي يقبل على الحياة بشغف وتفاؤل. الطبيعة بعناصرها وتشكيلاتها الواسعة هي أجمل وأبرز ما يميز الشمال التركي، فتميز الطبيعة وبهائها وأناقتها ورونقها يغرق المتأمل والسائح والباحث عن البهجة والمتعة والاستجمام في عالم من السحر والخيال، حيث الأنهار بمياهها النقية، والشلالات الهادرة، والقرى البكر، والعادات والتقاليد الملهمة، والريف الأخضر المزدان بأنواع شتَّى من الفواكه والخضراوات التي تصل إلى السوق التركي طازجة ووفيرة، كما أن الخدمات السياحية متوافرة بأذواق وأسعار ودرجات تناسب الجميع، فلا غرو أن يشهد الشمال التركي أفواج السياح من كل بقاع الأرض الذين لا يفوتون الفرصة طبعا بزيارة “مدينة العالم”، اسطنبول. العديد من الأتراك يبادرون للسلام على والدي ومصافحته عندما نكون في مكان عام، ملقين عليه تحية الإسلام، مظهرين أمارات الاحترام لرجل لا يزال محتفظا بهيبته وهيئته وثقافته في ملبسه وتعامله مع الحياة، وكانت اللغة عائقا معهم للتفاهم، وإلا فإن تقديرهم وإعجابهم بـ”الدشداشة” والمصر العمانييْنِ ظاهرة وكأنهم في حضرة رجل قادم إليهم من الزمن الجميل، عندما كانت رايات الإسلام عالية شامخة مزدهرة، والمسلم يفتخر بثقافته ولغته وتاريخه ولباسه… الكثير من المنازل والبنايات السكنية هنا في الشمال التركي، متداعية وأخذت منها السنوات الطويلة ألوانها وشكلها الخارجي وتكاد جدرها المتشققة أن تتساقط على رؤوس ساكنيها، وبعض الخدمات وشبكات الطرق متهالكة، والمنطقة عموما ما زالت بحاجة إلى بنية تحتية قوية، وإلى مشاريع تنموية أكثر عصرنة وحداثة مع الاعتبار بالطبع أن بلدا مترامي الأطراف وطبيعة جغرافية قاسية وكتلة سكانية كبيرة وارث حضاري عميق… مثل تركيا يحتاج إلى جهد ضخم وعمل مضاعف وموارد مرتفعة وعقود من البناء وتنفيذ المشاريع ليتمكن من تنفيذ برامج تنموية تتميز بالشمولية والتقدم والنمو، ولا شك أن ذلك في طريقه للتحقق. السوريون ـ وهم في مقتبل العمر ـ يمارسون الكثير من الأعمال، ويمتهنون مهنا متواضعة في المقاهي والمطاعم والفنادق والمحال التجارية… وهم في حالة تستدعي التفكير والتضامن وتثير الألم على أوضاع أمتنا العربية وهشاشة الهياكل السياسية والاقتصادية والأمنية والبنى التحتية التي تجبر مثل هؤلاء الشبان لامتهان أعمال ومهن لا تكاد ما تدره عليهم من مورد مالي أن تعيل ذويهم، فمتى سيتزوج هؤلاء؟ ومتى سيبنون حياتهم الأسرية ويشعرون بالرضا والاستقرار والراحة؟ وإلى متى ستظل ظروف العالم العربي متأرجحة ومزرية ينتقل من أزمة إلى أخرى، ملقية بشباب الوطن في مهب الريح تتلقفهم مدن العالم وتلفظهم أوطانهم ومجتمعاتهم؟ الدخول إلى المجمعات التجارية الحديثة هنا في تركيا، يتطلب إجراءات أمنية وتفتيشا مشددا أشبه بما هو عليه الحال في المطارات، فظروف البلد وكثرة مستهدفيه في الداخل والخارج وتدخلات “حزب العدالة والتنمية” العسكرية والسياسية في البلدان المجاورة والصراع مع الأكراد، وتعدد الانتماءات ونمو عدد المهاجرين… جميعها تتطلب دون شك مثل هذه الإجراءات الاحترازية. بحيرة “اوزنجول” السياحية التي تتناثر من حولها الأنهار والجداول المائية والشلالات والضباب الذي يحتضن الجبال واللباس الأخضر الذي يستر عري الأرض والهضاب والمرتفعات الجبلية ودرجة الحرارة التي تقل عن الـ٢٠ درجة… جميعها مكنت هذه الوجهة لتصبح قبلة للسياح والباحثين عن المتعة والتأمل والاسترخاء، خصوصا من دول الخليج العربي، حيث يشعر المتجول في المكان بأنه في مدينة عربية، خصوصا مع ارتفاع عدد السوريين العاملين فيها، الفنادق والمقاهي والنزل والمطاعم والأكشاك التجارية تحيط بالبحيرة، وتقدم أشكالا من الترفيه والأذواق والاحتياجات والأطعمة، وأوزنجول كما قيل عنها الكثير هي فعلا نموذجا للجمال الآسر والطبيعة الفاتنة، وتشاركها أو تزيد عليها منطقة “آيدر” بطبيعتها الخلابة وطقسها المنعش صيفا والأقبال الكثيف عليها من السياح الذين يقيمون في فنادق ونزل ومنتجعات ويتناولون وجباتهم اللذيذة ويحتسون القهوة والمشروبات المختلفة بين أحضان الطبيعة الساحرة وعلى موسيقى ومناظر الشلالات والجداول والأنهار التي تنساب بين الحجارة الضخمة. ومدن الشمال التركي عموما يقع معظمها على شواطئ البحر الأسود ممتدة إلى عشرات الكيلومترات مضيفا جمالا وأناقة إلى جماليات الطبيعة الأخرى. يوجد تنسيق وتعاون بين مصانع الحلويات ومنتجات الأعشاب الطبيعية والأدوية الشعبية والعسل والحرف اليدوية وغيرها كثير، وبين الحافلات وشركات النقل السياحية لتمرير السياح عليها والاطلاع على أنواع المنتجات التي يعرضونها في معارض البيع وخصائصها وشراء ما يحتاجونه وما يقدمونه كهدايا لأحبائهم بعد عودتهم إلى أوطانهم فمن مميزات السياحة أنها تشغل وتحرك وتنمي أنشطة وقطاعات ومجالات اقتصادية وتجارية عديدة. “طرابزون”، المدينة التي تعود إليها أصول الرئيس التركي “طيب رجب أردوغان”، ضخمة وتحتوي على مناطق سكنية وتجارية وأحياء شعبية وحارات وآثار قديمة ومعالم سياحية، وقد بنيت على مستويات مختلفة مرتفعة ومنخفضة وفقا لطوبوغرافية الأرض التي تتميز بها، وتقدم المناطق المرتفعة إطلالات ساحرة على شواطئ البحر الأسود والأبنية والعمارات والمشاهد الأخرى التي تقع في الأسفل، كما تنتشر المطاعم والمقاهي في مواقع خلابة تجتذب أهل المدينة والسياح الذين تغص بهم المقاعد والجلسات المختارة، فيما التطور يمضي ـ كما يظهر من المشاريع المختلفة التي تنفذ ـ قدما، ما يؤكد على أن طرابزون سوف تشهد نهضة تنموية أكبر في المرحلة القادمة ونموا في مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية، فالعديد من الجنسيات أصبحت تشتري وتتملك العقارات في المنطقة، مصحوبة بإغراءات عديدة منها سهولة الحصول على الجنسية التركية، فشعار مفتاح الشقة، ومعه صورة الجواز التركي منتشرة بكثافة أمام المكاتب العقارية ولوحات الإعلانات والمشاريع السكنية الاستثمارية العصرية.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap