الإثنين 3 أكتوبر 2022 م - ٧ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / حذار «المِعَد الخاوية»!
حذار «المِعَد الخاوية»!

حذار «المِعَد الخاوية»!

ألا تكفي إشارات مخاطر المجاعات التي تلوح على الأفق لأن تدفعنا قيادات وسكانًا، وجمهورًا وأقلامًا لأن نتدارك الأمر على سبيل اتخاذ الإجراءات الضرورية لتأمين المواد الغذائية الأساس لجمهورنا (المستهلك النهم) عبر العالم العربي من المحيط إلى الخليج؟

هرعت شخصيًّا لتفحص مخزوناتي الغذائية بسبب أخبار روسيا وأوكرانيا. بل، وللمرء أن يتكئ على أريكته متأكدًا من أن الكثير من رجالنا ونسائنا قد عمدوا إلى الثلاجة في المطبخ، أو إلى “غرفة المؤونة” (المخزون الذي يضم المواد الغذائية الأساسية) بعد سماع أنباء ما يهدد العالم اليوم من ندرة ومجاعة، خصوصًا في حال التصعيد بين روسيا وأوكرانيا، وهما من أهمِّ سلال القمح في العالم.
ولا تختلف الحال، كما أزعم في هذا السياق، بالنسبة لأولي الأمر في حكومات الكثير من دول العالم الذين لا بُدَّ وأن عمدوا إلى التأكد من وجود خزائن كافية من الحبوب التي يصنع منها “خبز الشعب”.
بَيْد أني كنت أتمنى أن يحاول سراة القوم في بلداننا العربية مباشرة مخاطر “الأمن لغذائي” في العالم العربي على نحو جذري، ومن جميع زواياه، على سبيل الإقلال من اعتماد كتل بشرية هائلة (من العراق والخليج العربي، عبر مصر والسودان، إلى المغرب والجزائر) على القمح المستورد لتمكين المخابز، المنتشرة عبر أحياء مدننا وقرانا، من تلبية حاجات “المعد الخاوية” عند الحاجة. والحق، فإننا في العالم العربي (وحسب تقارير وإحصاءات عالمية معتمدة) الأكثر اعتمادًا على الغذاء المستورد، ليس بقدر تعلق الأمر بالفواكه والخضار التي نتناولها يوميًّا، ولكن بقدر تعلقه بأساس المائدة العائلية العربية اليومية، أي “الخبز” الذي يرتهن استهلاكه (صعودًا أو نزولًا) باستهلاك الرز أن يكمل كلاهما الآخر ولا يمكن لمائدة عربية أن تخلو من الاثنين منهما أو واحد على الأقل!
ألا تكفي إشارات مخاطر المجاعات التي تلوح على الأفق لأن تدفعنا قيادات وسكانًا، وجمهورًا وأقلامًا لأن نتدارك الأمر على سبيل اتخاذ الإجراءات الضرورية لتأمين المواد الغذائية الأساس لجمهورنا (المستهلك النهم) عبر العالم العربي من المحيط إلى الخليج؟
ولي في تجربة الحصار الذي فرض على العراق على عهد النظام السابق نموذجًا مخيفًا لما يمكن أن يتسبب به “التجويع والتعطيش” الذي تمت ممارسته على شعب العراق، إذ أخذ القمح يتجاوز أسعار الذهب أحيانًا، كي يمكن لذوي الأسر أن يؤمنوا الخبز لأفراد عوائلهم كافة. لقد كانت تلك تجربة مريرة يذكرها العراقيون جيدًا، درجة بيع بعض أولياء الأمور ممتلكات أسرهم الضرورية من أجل شراء الخبز. لماذا إذًا؟ لا نطلق “حملة قومية شاملة للاستزراع”، دون أن نترك شبرًا واحدًا بلا زرع أخضر: أي كما يفعل الصينيون الذين تلظوا بآلام الجوع والموت بسببه لمراحل فائتة من تاريخهم غير البعيد: فشكرًا للقيادة الصينية التي لعبت دورًا مهمًّا لمنع الجوع بين شعوبٍ إذا جاعت اكتسحت الأرض شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، أي كما حدث في العصر الوسيط الذي شهد موجات المغول التتار، من جنكيز خان إلى هولاكو خان، أي تلك الحملات الجائعة التي لم تتوقف حتى بلاد الشام وحدود مصر.
وصدق من قال إن “الجوع كافر”، وهي حال أشبه بناقوس الخطر الذي يدق أجراسًا بما يتهدد دول العالم العربي والشرق أوسطي ذات الاقتصادات الريعية خصوصًا، نظرًا لاعتمادها وحيد الجانب على الريوع الآتية من تصدير الطاقة وسواها من المواد الأولية!

أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap