الإثنين 3 أكتوبر 2022 م - ٧ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : الأنواء المناخية وحتمية إجراء مراجعات جادة لحسابات التخطيط العمراني بالسلطنة
في العمق : الأنواء المناخية وحتمية إجراء مراجعات جادة لحسابات التخطيط العمراني بالسلطنة

في العمق : الأنواء المناخية وحتمية إجراء مراجعات جادة لحسابات التخطيط العمراني بالسلطنة

يطرح تأثير الأنواء المناخية والحالات المدارية التي تتعرض لها أجواء سلطنة عُمان في فترات متعاقبة والأضرار الناتجة عنها على البنية الأساسية والعمرانية، حتمية البحث عن موجِّهات أصيلة وإجراءات ثابتة وأطر واضحة تتخذها الدولة بحيث تضع في الحسبان استيعابا مبكرا للعوامل المؤدية إليها، ناتجا عن التأثير المستمر للأنواء المناخية والحالات المدارية والأعاصير على سلطنة عُمان بحكم موقعها الجغرافي، وإطلالة سواحلها الشرقية والجنوبية الشرقية على بحر عُمان وبحر العرب المتصلين بالمحيط الهندي، وبالتالي بات تعرضها لهذه العواصف المدارية والأعاصير والأنواء المناخية أمرا اعتياديا، وأصبح وجودها ظواهر طبيعية، مما يستدعي أهميَّة وجود إجراءات ثابتة لتقييمها ومعالجة آثارها، بحيث تتعدى هذه الإجراءات الثابتة مساحة الوقتية إلى الاستدامة في مستوى تأسيس وتطوير وتحسين البنية الأساسية الصلبة بكل تفاصيلها ومكوِّناتها ومتعلقاتها من حيث شبكات الطرق ومواقع الخدمات الأساسية والجسور والسدود وغيرها، نظرا للمخاطر الناتجة عن الفيضانات والأودية الجارفة، ويؤكد في الوقت نفسه على أهميَّة مراجعة حسابات التخطيط العمراني للمنشآت السكنية والتجارية والصناعية بالسلطنة وبما يضمن إبعادها عن الأماكن المنخفضة ومجاري الأودية، لسلامة الأرواح، والتقليل من مخاطرها على الممتلكات الشخصية والعامة.
والحديث عن موضوع الجاهزية الوطنية يتجاوز اليوم إدارة الحالات الطارئة ذاتها والتي اكتسبت الأمة العُمانية منهجيتها منذ إعصار جونو عام 2007، واستيعابها للدروس المرتبطة بهذه الحالات، والمكاسب التي حققتها سلطنة عُمان في منظومة إدارة الحالات الطارئة والتي تجسَّدت باكتمال البنية الناعمة المؤسسية والتشريعية والتنظيمية في إدارة الحالات الطارئة والتطور الذي مرَّت به بحسب حجم التراكمات والتأثيرات المرتبطة بهذه الحالات المدارية والأعاصير، والدور المحوري الذي عملت اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة واللجان الفرعية المنبثقة عنها بالمحافظات، مرحلة متقدمة من الوعي الاجتماعي في التعامل مع هذه الحالات، واستحضار الهُوية والقِيَم العُمانية، في وحدة الصف، وصدق اللحمة الوطنية، وتكاتف الجهود، وتقارب الرؤى، وتناغم الأهداف، وتكامل السياسات والإجراءات، والتفاف المجتمع حول قيادته الحكيمة، وإخلاص القيادة وعملها الدؤوب من أجل عُمان وأبنائها، فجرب العُمانيون الأزمات وعايشوها وعاصروها فأنتجوا من خلالها شواهد إثبات على أخلاقهم وهُويتهم وصبرهم والتزامهم وتجسيدهم روح القِيَم في صفائها ونقائها، عزَّزت من إنسانيتهم في التعاطي مع تأثيرات الحالات المدارية وما تتركه من أضرار مادية واجتماعية ونفسية وجمالية، فاحتووا بحُسن صنيعهم وسُمو أخلاقهم ورُقي إنسانيتهم كل الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة، وضربوا نماذج حية في تقديم العون وتوفير الأمان والسلامة لهم، كما ضربوا أروع الأمثلة في الالتزام بتوجيهات القيادة ورؤيتها السديدة التي عززت فيهم روح المسؤولية وحسَّ المواطنة في الالتزام نحو هذا الوطن وتعظيم جهوده وغرس الثقة ودعم روح المبادرة فيه، لتبني فيهم مدد العطاء بلا توقف والإنجاز بلا حدود والصبر والتحمل في التعاطي مع المواقف، والمبادرة في البحث عن توليد الحلول وإنتاج المستلزمات الداعمة لمعالجة الأزمات والمواقف؛ لتبقى إرادة العُمانيين ثابتة وعزيمتهم ماضية ومنهجهم واضحا نموذجا عمليا في مواجهة التحدِّيات والتعامل مع الأزمات وتجريب الأخلاق في مواقع العمل وميدان الممارسة ومنصَّات الالتزام وقواعد السلوك.
ومع ذلك تبقى الصورة غير مكتملة، والجاهزية ناقصة، والعمل يشوبه القصور، إذ المسألة بحاجة إلى البحث في الجذور، والتعمق في قراءة الأسباب التي تقف خلف هذا التأثير على البنية الأساسية والعمرانية وحجم القلق الذي باتت تمثله الأنواء المناخية والسيول الجارفة على حياة الناس وأمنها. ولمَّا كان التخطيط العمراني ونظام توزيع الأراضي العشوائي ووجود الموانع التي تقف في وجه مجاري الأودية أحد أهم الأسباب التي ترتبط بهذه الحالات وتقف وراء تأثر المنازل والمنشآت والمساكن وتعرضها لمخاطر هذه الأودية، خصوصا في ظل مسار التخطيط العشوائي غير المنظم الذي رافق عمليات المسح العمراني لفترات طويلة مع الافتقار لنموذج وطني موجّه يفصل المناطق السكنية عن الأودية والمنخفضات ومجاري الأودية والأماكن المنخفضة، الأمر الذي انعكس أيضا على السياسات الوطنية لتخطيط المدن عامة والمناطق السكنية المنتشرة بالولايات والمحافظات في ظلِّ تجاهل التخطيط العمراني لمبدأ أنسنة المدن، سواء ما يتعلق منها بشبكات الطرق وتخطيط الأراضي السكنية أو مواقع الخدمات الرئيسية أو انسيابية مجاري الأودية والتجاوزات الحاصلة على إحرامات الأودية مما أدى إلى عرقلة انسيابية مساراتها، فإنها بذلك تطرح الحاجة إلى مراجعة الأسباب التي أدَّت إلى استمرار تأثير هذه الأنواء على البنية الأساسية من قطع الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات وانقطاع التيار الكهربائي، والأسباب التي أسهمت في دخول الأودية إلى البيوت وتأثيرها على حياة الناس. ومعنى ذلك أن اللحمة الوطنية والوعي الاجتماعي والجاهزية والاستباقية في إدارة الحالات الطارئة رغم أهميتها الكبيرة، إلا أنها تبقى بحاجة إلى من يمنحها القوة والاستدامة والتمكين، إنها بحاجة إلى جهد آخر يقوم على استدراك جانب التخطيط العمراني السليم والمنظم والمتفاعل مع أرضية الواقع والمجسِّد لطبيعة البنية التضاريسية لسلطنة عُمان، بحيث يتحوَّل التخطيط العمراني من كونه مجرَّد مسوحات ورقية بعيدة عن الواقع إلى الوقوف على الموقع.
وعليه، تتأكد الأولوية اليوم بالوقوف على الأسباب التي أدَّت إلى تأثير هذه الأودية ودخولها للمساكن والمنشآت، من حيث إعادة بنية التخطيط العمراني ودراسة توفير البدائل والحلول الإسكانية، وإعادة تنظيم استخدام الأراضي للسكان القاطنين في المناطق المنخفضة أو أماكن جريان الأودية بأراضٍ أخرى في مخططات إسكانية أكثر ارتفاعا وبعيدة عن مجاري الأودية، أو كذلك عبر توفير حواجز إسمنتية وجسور خرسانية تربط بين مجاري الأودية والسدود لتتصل مباشرة مع البحر في المدن الساحلية، والحيلولة دون وجود أي موانع لمسارها، والتفكير في حلول وبدائل استراتيجية تقلل من الأثر الناتج عن هذه الأودية على حياة المواطنين، بالإضافة إلى تبنِّي استراتيجيات للتوسع في سدود الحماية وسدود التغذية التي من الممكن إن تم عملها رفع سقف المواصفات القياسية لها، أن تقلل من قوة انجراف الأودية ودخولها إلى المناطق السكنية.
إن تحقيق ما سبق الإشارة إليه يستدعي تكاتف الجهود وتناغم الأدوات، وتفاعل الأطر واستراتيجيات العمل، وتشاركية المؤسسات والقِطاعات وفق استراتيجية عمل وطنية معتمدة يجسدها الجميع كل في مجال اختصاصاته ومهام عمله، بحيث تأخذ في الحسبان كل المؤثرات السابقة للحالات المدارية والأنواء المناخية والأعاصير والشواهد التي تبرز حجم هذه الأودية والتأثيرات وارتفاعات منسوب المياه بحيث يستفاد في عملية المراجعة التخطيطية والتصحيحية لها من الجلوس مع كبار السن وأصحاب المواقف وأهل المنطقة وغيرهم للوصول إلى مسار واضح يحقق معادلة التغيير المطلوبة بين تسهيل انسيابية جريان المياه والحدِّ من الموانع المعترضة لمرور الأودية في مجراها الرئيسي، وبين إقامة سياج إسمنتي مانع من دخول المياه إلى المناطق السكنية، وبين تنفيذ الجسور العلوية في تقاطعات الشوارع بدلا من الأنفاق الحالية وصغر حجمها التي ثبت أنها تعمل على رد المياه إلى الخلف مما يتسبب في توجيهها إلى المناطق السكنية ورفع منسوبها إلى الأعلى، أو كذلك بعمل سدود متعددة في مجرى الأودية الجارفة وفق معايير عالمية عالية الجودة، الأمر الذي يمنع من اندفاع جريان الأودية مرة واحدة باتجاه السَّد الرئيس، مما قد يؤدي إلى انفجاره، في المناطق الجبلية والتي يتوقع بأن نسبة الأمطار التي تستوعبها تزيد عن حجم المسارات المخصصة لها، وبالتالي المتابعة الميدانية المستمرة والتقييم الدوري لحالة مجاري الأودية والسدود وإزالة كل المخلفات أو الترسبات أو غيرها من المواد الثابتة والمنقولة المحتجزة داخل السدود أو مخلفات البناء التي تلقى في مجاري الأودية وتمنع من انسيابيتها، بالإضافة على عمل اللوحات التنبيهية وتثبيت العلامات القياسية لمنسوب المياه الخطرة، وتوفير مراكز الإيواء المستدامة في المناطق المعرضة لمثل هذه المخاطر.
أخيرا، يبقى مجال المراجعات الجادة وفتح ملفات وحسابات التخطيط العمراني في ظلِّ ما تطالعنا به في كل مرة الحالات المدارية والأنواء المناخية من مفاجآت غير محسوبة وتأثيرات غير متوقعة، الحلقة الأقوى في تحقيق تحوُّل وطني في إدارة الحالات الطارئة لتتكامل أجندتها بين البنية الأساسية الناعمة ممثلة في التشريعات والسياسات المنبثقة من عمل اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة واللجان الفرعية لها بالمحافظات، وبين البنية الأساسية الصلبة وعبر إدارة التخطيط العمراني الحضري وإنهاضه من جديد وإيجاد صورة تمازجية تستوعب هذه الجهود وتضعها في موقعها الصحيح، بما تتطلبه البنية الأساسية لشبكات الطرق والتخطيط العمراني للمساكن والمنشآت من مراجعات، محطات مفتوحة بحاجة إلى من يضمن قدرتها على مواجهة هذه الأحداث، ويضع عمليات المراجعة التخطيطية المتكاملة والشاملة للبنية الأساسية بكل تفاصيلها لتكون بأعلى المواصفات القياسية التي تضمن إبعادها عن مخاطر الأودية والفيضانات، ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه منظومة العمل الوطني كيف يمكن حشد الجهود والموارد وتوظيف القناعات التغييرية في إعادة تصحيح وهيكلة هذا المسار من جديد في ظل تراكمات اجتماعية وثقافية ما زالت تعرقل الجهود الوطنية في هذا الشأن، فإن كفاءة العمل في التعاطي المنهجي مع هذا الموضوع واستحضار البعد التضاريسي والأنواء المناخية في إنشاء البنية الأساسية الصلبة والتخطيط العمراني سوف يقلل من الهدر الحاصل في الموارد نتيجة إنشاء الطرق في أماكن منخفضة ومهابط الأودية وما تتطلبه من الصيانة لها لمجرد نزول الأمطار الخفيفة واقتلاعها من جذورها، بما يعنيه ذلك من جهد وطني قادم لا مجال فيه للمساومات ولا تراجع فيه عن استيفاء المعايير، ولا مساحة فيه للاستثناءات وشخصنة الحالات، كما لا وقت فيه للبطء والانتظار، على أن وضع المواطن شريك رئيسي في إدارة متطلبات المرحلة وتصحيح الانحرافات والشوائب التي ما زالت عالقة في مفهوم توزيع الأراضي وحصوله على الأرض السكنية أو وصول الشارع إليه وتنازله ـ خصوصا في المناطق الجبلية وذات المساحات الضيقة ـ عن ممتلكاته الشخصية لتحقيق الصالح العام والتخطيط للشوارع والمنازل في مناطق أكثر ارتفاعا من وضعها الحالي المعرَّض لوصول الفيضانات إليها.

د.رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap