الأحد 25 سبتمبر 2022 م - ٢٨ صفر ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / الشوشرة .. خصومة البرغش والفيلة
الشوشرة .. خصومة البرغش والفيلة

الشوشرة .. خصومة البرغش والفيلة

لقد أطاحت الشوشرة السياسية الإعلامية بالمزيد من فرص العمل التضامني بين البلدان العربية، وأسست تقاليد ضغينة خلَّفت ـ مع الأسف ـ الكثير من الندب في الجسم العربي العام نستطيع أن نتلمسها من تصفح عشرات المشاريع التنموية المشتركة..
حتى الساعة، لم يحسم البرغش الموقف لصالحه في خصومته المتواصلة مع الفيلة رغم أنه لم يترك وسيلة للهجوم الحيوي دون أن يستخدمها بالمزيد من الضجيج والمناكدة والتشفي وابتكار وسائل، التوغل بأذنها، التعتيم على عيونيها، ملاحقة خراطيمها بمناورات مستجدة على وفق قياس الفصول الأربعة.
لقد أورد الروائي الإنجليزي ـ الأيرلندي أوسكار وايلد إشارة إلى هذه الخصومة بين هذه الحشرة الصغيرة المضرة ذات الأجنحة والفيلة، وعلى وفق معلومات من مصادر مختصة في حياة الفيلة أنها تحشر أجسامها في أحراش الغابة، أو تمرغ حالها بالتراب، أو تستعين بخراطيمها لرش مياه برك وغدران، أو تلجأ إلى عصافير تتولى التشويش (الراداري) على البرغش بما يضع حدًّا لملاحقاته وتكون شوشرته مجرد إزعاج عابر، وبينما تقطع الفيلة الشك باليقين في التشميس المريح، أو الاستمتاع بالأمطار، حيث يحول هطولها من فرص شوشرة البرغش عليها الذي يقيم مستعمراته على مقربةٍ انتظارًا لشوشرة جديدة.
دورات متكررة دون أن تتحقق مكاسب جادَّة للطرفين إلا في حالات نادرة، وإذا كانت شوشرة البرغش تسليًا وانتقامًا لضخامة ووداعة الفيلة، تظل الشوشرة البشرية مداراةً للفراغ والتقصير والحسد، بل والضغينة وقد تحقق أهدافها توظيفًا لنزعة (اِكذب اِكذب حتى يصدق الآخرون) أو (الصيد في المياه العكرة)، أو من خلال عدم وضوح حين يختلط الحابل بالنابل وتسود ثقافة الالتفاف والتنكيل والمناكدة، والولع بتصنيع الخصوم لمجرد إرضاء نزعة مرضية كامنة.
لقد أطاحت الشوشرة السياسية الإعلامية بالمزيد من فرص العمل التضامني بين البلدان العربية، وأسست تقاليد ضغينة خلَّفت ـ مع الأسف ـ الكثير من الندب في الجسم العربي العام نستطيع أن نتلمسها من تصفح عشرات المشاريع التنموية المشتركة المركونة جانبًا على مدرجات جامعة الدول العربية بسبب القطيعة السياسية. أما على الصعيد الدولي فلك أن تتطلع وحسب إلى التهديدات التي تطول يوميًّا السلم العالمي، في حين تظل تطلعات الأمن المشترك مجرد آمالٍ معلقة في فضاء مجلس الأمن الدولي.
يرى ابن خلدون الشوشرة فعل تشويش حين تسود ثقافة الاستزلام، ويقول شكسبير (أصعب درس تتعلمه في حياتك أن ليس كل الذين حواليك يتمنون لك الخير)، ويراها باحثون انتدبتهم الأمم المتحدة همومًا بالند من ديباجة مقدمة ميثاقها العتيد (نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحُسن جوار… وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعًا).
إن من مغذيات الشوشرة الإعلامية والاقتصادية والسياسية المؤلمة الأشد خطرًا من موجات البرغش، ضجيج القوة، تصنيع المزيد من الخطوط الحمر لحماية الاحتكار، نقص العدل في تحريم الأسلحة النووية لحساب بقاء القوة الغاشمة بيد البعض، المناورات بالذخيرة الحية، التلاعب بأسعار الغذاء، الاكتفاء بزيادة عديد خفر السواحل لإحباط موجات الهجرة دون معالجة جذور هذا النزيف البشري المفجع المتكرر، الهدر في المياه الصالحة للشرب، إقامة السدود على الأنهر المشتركة دون الأخذ بحقوق الشراكة، تصنيف الحشمة تلاعب بحقوق الحرية الشخصية، تسديد فواتير عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية، النزعات الميليشاوية، النقص الحاد في أسبقيات التحسب، عدم الانتظام بالدور لحساب الفوضى، الخروج على الإجماع لصالح نزعات القوة الضاربة، العبث بأسبقيات التنمية البشرية المستدامة، عدم الأخذ بنظرية الأواني المستطرقة في التعاطي السياسي، وبخصوصيةٍ، هدم الإسرائيليين للمنازل الفلسطينية، قصف منشآت نووية في أوكرانيا، رفع أسعار حليب الأطفال، احتكار اللقاحات الرادعة للأوبئة، التشاطر بالنصوص الملزمة للحدِّ من الاحتباس الحراري، مناكدة بعض السوريين تفريطًا بوحدة أراضي بلادهم، انغلاق بعض المُكوِّنات الأثنية في العراق على حساب وحدتهِ.
لا شك أن قوائم الشوشرة أكبر من هذا الجرد الإحصائي، وهي تتكاثر انشطارًا مع تكاثر النميمة والتشهير والاستحواذ، وإهمال قِيَم التسامح والتعايش، والإصرار على النوم في عسل الانتظار.

عادل سعد
كاتب عراقي
abuthara@yahoo.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap