الجمعة 3 فبراير 2023 م - ١٢ رجب ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الباحث عن الجمال

الباحث عن الجمال

قال نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم): (إن الله جميل يحب الجمال)(صحيح مسلم)،وهنا قصد الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجمال الحقيقي بأنواعه، وليس جمال الشكل الخارجي، بل جمال الشكل والمضمون، والمظهر والجوهر، وجمال العقل والقلب والروح، الجمال المعنوي وليس المادي فقط.
لكن في منظورنا كبشر يختلف قياس الجمال من شخص لآخر، فكُلًّا منا يراه من زاويةٍ مختلفة، سواء كان جمال مادي يمكن رؤيته وتمييزه بين الناس، وهذا النوع ممكن أن يفنى مع الزمن، أو جمال معنوي سامٍ ذا معنى أعمق، مثل:الأخلاقوالقيم والمبادئ.
وعندما خلق الله سبحانه وتعالى المخلوقات جميعها، لم يخلقها بشكل واحد، ولا لون واحد، فسبحانه خلق لكل كائن تكوين، وهيئة معينة، وألوان محددة، سبحانه العلي العظيم خلق فأبدع، ومع هذا كان كل خلقه جميل، وكل كائن من مخلوقات الله له زاوية جمال خاصة به، وهذا من الأمور التي يجب علينا التفكر والتدبر فيها دائماً، سبحان الله.
وبالرغم من القيمة العالية جدًا لجمال الروح والعقل والقلب، إلا أن الإنسان غالبًا يهتم بجمال الشكل الخارجي بدرجة أكبر بكثير، وللأسف الشديد، فيطمح دائمًا لأن يكون مثاليًا، من حيث الشكل والوزن وتناسق الملامح، ويُنفق من أجل هذا الكثير والكثير من وقت وجهد وأموال، فيكون غير راضٍ في النهاية بالرغم من ذلك.
هذه الآفة التي جعلت كثير من الناس يتجهون إلى عمليات التجميل الطبية، وتغيير خلق الله الذي خلقهم في أحسن تقويم، تُغريهم الصورة الذهنية في عقولهم عن الجمال، ويظنون أن الملامح يجب أن تكون مثالية كعرائس اللعب وشخصيات الكارتون، يضعون أمامهم صورة مزيفة للجمال، ثم يشرعون في تنفيذها على أرض الواقع، ولو رضوا بالصورة التي خلقهم الله عليها، لكان خيرًّا لهم.
وفي هذه الأيام نرى العَجَب العُجاب من انتشار مراكز التجميل، وتهافت النساء عليها، ليس لضرورة كما أمر الشرع ولا لإصلاح تشوه حصل نتيجة حادث أو مرض، بل للوصول إلى شكل معين للجمال، ولتغيير الصورة التي خلقهم الله عليها، إلى صورة يظنون أنها الأفضل، فتضخم إحداهن شفتاها، وتكثف أخرى شعر حاجباها، وثالثة تصغر أنفها، ورابعة تشد بشرتها، والقائمة تطول ولا تقصُر.
(وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِوَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا((النساء117 ـ 121).
الرغبة لدى النساء في الظهور بمظهر المشاهير، واتباع أحدث صيحات الموضة والتغيير، صارت تتزايد بشكل يومي، فصِرن يتجرأن على تغيير خلقتهن التي خلقهن الله عليها، فيصنعون ما نهى الله عنه في الآية الكريمة، ونبّه إلى أنه من أوامر الشيطان التي يأمرها لبني آدم ويغريهم بها، ليكون مصيرهم في جهنم وبئس المصير.
أما جانب الخُلُق والدين والقيم والمبادئ، والتي هي من أهم أمارات الجمال النفسي والروحي، فما صار أحد يهتم بتحسينها، ولا تقويمها، ولا إجراء عمليات تجميل لها، فما عاد أحد يُهذِبُ خُلقه، ولا يُقّوم دينه، ولا يُجري التحسينات على روحه، حتى أصبحنا في فقر شديد جدا للدين والأخلاق والقيم والمبادئ، قال (صلى الله عليه وسلم):(أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)(متفق عليه).
آن الأوان أن نُعيد النظر في أولوياتنا ونُرتبها على الوجه الصحيح، وأن ننظر للأمور نظرة حقيقية غير زائفة، آن الأوان أن نزرع الهوية الدينية في القادم من أجيالنا، ونرفع شأن القيم والمبادئ في أعينهم، ونُريهم الصورة الحقيقية للجمال، جمال الروح والعقل والقلب، جمال الدين ومكارم الأخلاق.

* حسين بن علي السرحاني
كاتب عماني

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap