الجمعة 3 فبراير 2023 م - ١٢ رجب ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وجوه الإعجاز البلاغي فـي القرآن الكريم «20»

وجوه الإعجاز البلاغي فـي القرآن الكريم «20»

نواصل الحديث عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم في قضية السكت، ونقول: إن الإعجاز في السكت أمرٌ لا يتحقق بتمامه وجلاله وكماله إلا في القرآن الكريم، فكما أن هناك إعجازًا في الوصل، وهو الأصل، فكذلك هناك إعجازٌ في السكتة اللطيفة، ونواصل بيانَ هذا الإعجاز فيما بقي من سكتات واجبة عند حفص، ومنها قوله تعالى:(كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ) (القيامة 26 ـ 27)، وهنا نجد السين مرسومة على نون (مَنْ) ، والسكتُ هنا يحقق غرضين اثنين؛ غرض لفظي، وغرض معنوي، وكلاهما وجه من وجوه الإعجاز القرآنية، فإن الوقف على نون (مَنْ) يجعل هنا فاصلا قويا بين كلمتين هما:(من) و(راق)، فيظهر أنهما كلمتان؛ الأولى (مَنْ) الاستفهامية التي تفيد استدعاء العاقل، ونداءه، والثانية: (راق)، وهي اسم فاعل من الفعل الماضي (رقي يرقي)، ويقال: رقى المريض، ونحوه رَقْيًا، ورُقِيًّا، ورَقية، ورُقْيَةً: عَوَّذه، والرقية: العُوذَة التي يرقى بها المريضُ، وجمعها رُقًى، ويقال لما يُؤَثِّرُ:(رُقْيَةٌ)، واسم الفاعل المنكر (راق)، واسم الفاعل المعرَّف (الراقي)، وكذلك المضاف، نحو:(هذا هو راقي المريض)، ومعنى: (من راق): مَنْ في مُكنته، وقدرته واستطاعته أن يقدِّم رقية، وعوذا لهذا المريض الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة؟، مَنْ يمكنه ذلك، ابحثوا عنه سريعًا، وتعجَّلوا وجوده، لقد بلغ الألمُ بالمريض، والحشرجة منتهاها، وبلغت مبلغها، وقمتها، فهل من مغيث؟!، هل من منجد؟!، هل من مقدِّمٍ شيئا سريعًا لهذا المستصرخ الذي يعاني سكرات الموت؟!، أغيثونا، فلم يستطع أحدٌ أن يقدِّم شيئًا له، وغُلَّتِ الأيادي، ووقف الجميعُ حيارى، لا يتمكنون من تقديم أيِّ شيء، ولا أي خدمة، ولا أدنى مساعدة، سكت الجميعُ، وحُبِست أنفاسًهم، وأُلْجِمَتْ أصواتُهم، وتمثل كل هذا بالسكتة القرآنية التي تعني أن جميعَ مَنْ في الأرض غُلَّتْ أياديهم، وما استطاعوا تقديم أدنى مساعدة؛ لأن الله حَكَمَ بالموت، والوفاة، فلا يمكن لأحدٍ أن يقدم شيئا بعد إرادة الله، ومشيئته، وعجزت الأر ضُ كلُّها، ومن عليها أن ينفعوه بلحيظة، أو ثانية لا دقيقة أن يعيشها، فَمَنْ يقف أمام قدرة الله؟!، مَنْ يمكنه أن يكتبَ لأحد أقلَّ من النانو ثانية أن يعيشها إذا قدَّر الله وفاته، وموتَه:(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف ـ 34)، فهنا كانت تلك السكتة هي سكتة كونيةٌ، وسكتة بشرية، تعني أن الجميع قد شُلَّتْ يدُه، وأن أطباء الكون مجتمعين ليس في استطاعتهم تقديمُ شيء للمتوفَّى، ومَنْ كُتِبت عليه الوفاة، فهذا غرض معنوي، ودلالة حقيقية فيمن قدر الله موته، ترى الجميع ينظرون إليه، ولا يمكنهم إسعافُه، ولا تقديم أيِّ مساعدة له، حتى هم أنفسهم الذين لا يستطيعون تقديمَ لحظة لمَنْ كُتِبَتْ عليه الوفاة لا يستطيعون تقديم مساعدة لأنفسهم هم، كما قال تعالى:(الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران ـ 168)، فهذا السكتُ قد حقق هذا المعنى الإيماني الضخم الذي يلح عليه القرآنُ الكريمُ كثيرًا، فالسكتُ سكتٌ كونيّ، وسكت بشريّ، وسكت قُدُراتيّ، فجميعُ الكون سكت، وصمت، وانحبست كلماته، وأنفاسه، وقدراته عن تقديم أيِّ عون لمن كتب الله عليه خروجَ روحِه، وصعودُها إلى بارئها، كما تنحبس أنفاسُ وهواءُ مَنْ يُتَوَفَّى، وتأتيه الحشرجةُ التي لا يجد معها أيَّ دفقة هواء يتنفسُّها، فيُسلم روحَه، ويتمدد، ولا حراك فيه، ويتجمَّد، وينتهي قلبًا، وعينا، ونظرا، ونبضا، وتلتف منه الساقُ على الساق كما وصف القرآن الكريم:(والتفت الساق بالساق)، فلا حراك، بل فراق، وفراق إلى أبد الآبدين، أما الغرض اللفظي فهو سكتٌ؛ لئلا يلتبس اللفظان، ويوهم النطق أنهما لفظ واحد هو (مرَّاق) صيغة مبالغة من الفعل الماضي مرق، يقال:مرق السهم من الرميَّة يمرُقُ مروقا: اخترقها، وخرج من الجانب الآخر في سرعة شديدة، ومرق فلانٌ من الدين: خرج، ومرق فلان في الأرض: ذهب، ومرق فلانٌ فلانًا: طعنه في عجلة، فلو واصلنا الكلمتين لصارت كلمة واحدة، معناها المبالغة في المروق، وسكون، فهي كلمة بوزن (فعَّال)، مثل: كذَّاب، وفتَّان، وطعَّان، وفتَّاك، وقوَّال، وبتَّار.. ونحوها من أوزان المبالغة، وينتهي معناها في سياقها القرآني، ويضيع سياقها المهم في محلها من الآية، فقد حقَّقت السكتة كلَّ تلك المعاني، ومنعتِ اللبس في الصيغ، والبِنَى الصرفية، وجعلتِ اللفظ عبارة عن كلمتين بتلك السكتة اللطيفة، وحقَّقتْ مراد القرآن الكريم، وأكَّدتْ مقامه اللحظي، ونقلتْنا إلى عالم الاحتضار، وبروق العين، وحشرجة الصدر، والتواء الطرف هنا وهناك، واغروراق العين، وذهاب بريقها، ودخول النَّفْس في منازل الآخرة، وعدم القدرة على الكلام، أو الحركة، وانتهاء الإنسان، وخروج روحه.

* د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة – جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap